رغم بعض البقع الضوئية المتناثرة هنا وهناك على شاشة الأزمة الإبداعية المعاصرة، ورغم بعض النوافذ التي تتوزع على جدران عتمات كثيرة تحيط بالمثقف العربي حاليا، ورغم محاولات النهوض ـ المتعثرة غالبا ـ لمؤسسات محدودة على امتداد الرقعة الثقافية، أو لبعض القامات الفكرية كالراحلين د.طه حسين وعباس محمود العقاد ود.محمد مندور ود.عبدالقادر القط ود.عبدالوهاب المسيري ومــــــن أمد الله فــــــي أعمــــارهم د. محمد عابد الجابري ود. محمـد جــــــابر الأنصــــــاري ود.حســــــن حنفـــــي ود. عبدالله العروي، ود.عبدالله النفيسي وطارق البشري ود. محمد سليم العوا ود.جابر عصفور ود. عبدالله الغذامي ود. علي حرب وغيرهم، إلا أن المشهد لايزال متورطا في فضائحيته؛ فليس خفيا ـ حتى على العين الرمداء ـ انكسار المثقف وتراجعه إلى الصفوف الخلفية في السباق المجتمعي بضغط الإلحاح الإعلامي، وآليات التسليع الثقافي التي تستخدمها «ميليشيات الميديا القمرية» في القرية الإلكترونية المعاصرة.
ثمة عوامل متشابكة مسؤولة ـ بلاشك ـ عن هذا الانكسار، ولا نعفي أنفسنا ـ كمثقفين ـ من الانتساب الطوعي، أحيانا، والجبري أحايين أخرى إليها، الأمر الذي لايغيب عن ذهن العابر المتعجل، فضلا عن المقيم المتيقن.
كنا قد أشرنا في مقالات سابقة ـ على صفحات هذه المجلة وغيرها من المجلات والصحف ـ ونحن نحاول رصد أبعاد هزيمة المثقف العربي، إلى هذه الهزيمة أمام فتيات «الفضائيات العارية» ولفتنا إلى أضلاع مثلث تصورناه ـ مع غيرنا وهم كثيرون ـ يتمثل في المبدع، والوسيط، والمتلقي، أو بلغة الاتصال: «المرسل» والوعاء الناقل «الوسيط» و«المستقبل»، وخلصنا أو حاولنا أن نخلص إلى توصيف المبدع في هذه القضية جانيا ومجنيا عليه في آن واحد.
وفيما أتصور، رغم عدم انحيازي ـ على الأقل أيديولوجيا ـ لإعفاء ضلع من مسؤولية الهزيمة، فإن الجاني الأكبر هو الضلع الثاني، أو ذلك الوسيط الحامل للرسالة التي يفترض ـ جدلا ـ أن المبدع مهموم بتوصيلها عبره، إلى المنتظر على الضفة الأخرى من النهر، أعني المتلقي.
ومن الجلي الأبلج أن الوسيط ـ هنا ـ يلعب دورا ذا أهمية كبرى، بصرف النظر حاليا عن درجة هذه الأهمية على سلم إحصائي، في حجب الرسالة ـ أحيانا ـ أو تشويهها، هي وقائلها، أو هي وحدها، أو قائلها وحده، في أحايين أخرى، أو هو ربما يعمد لأن يحُول، ليس فقط بين الرسالة ومستقبلها، بل للفصل بين المرسل والمستقبل: طرفي المعادلة الاتصالية على الأصعدة كافة؛ ليحدث ذلك الطلاق البغيض بين متلازمين، ولا وجود حقيقيا لأحدهما في ظل سياسة نفي الآخر.
هذا «الوسيط» ذو أقنعة متعددة، يبدل وضعها على الوجه حسب ضرورات تفرضها آليات الاقتصاد والسياسة في أغلب الأحوال، أو الإزاحات المجتمعية في إطار تنافسات غير شريفة في أحوال أخرى، لاعتبارات تتعلق بالخلل الهيكلي في البنية القاعدية للثقافة العربية القائمة على صراعات مفتعلة لقضايا هامشية وترك المتن ـ غالبا ـ للآخر السياسي الاجتماعي، الاقتصادي،وتنحية الثقافي قصرا على قضايا الضبط والإعراب أو عمود الشعر، و أسلمة أو«كفرنة» النص حسب درجة القرب أو البعد من المشهد العولمي، وتهذيبه، وفق رؤية كهنوتية تعتمد غالبا «التحنيط» و«توقيف» الزمن و«تثبيت» الذائقة.
اختلالات النقد المعاصر
العلاقة بين الناقد والمبدع غالبا أشبه بطرفي المقص على حد تعبير «روستيفرهاملتون» «لا يلتقيان إلا على قطع أو هكذا هو حال النقد،لاما ينبغي أن تكون عليه العلاقة، إلا أن المسألة في نظري ـ خصوصا فيما يتعلق بهذه الوشيجة بين الناقد والمبدع ـ ليست بهذه الحدية، فالناقد- فيما أتبنى، وكما قرأت لأكثر من باحث ـ قارئ للقارئين،ولا علاقة له بالمبدع، فيما يخص عملا قد انتهى من كتابته، ونشره، ومن ثم فإن تعرض الناقد له لن يفيد النص، أو يضره بشيء..أتصور أن تكون علاقة الناقد مع النص الآتي، نص تحت التشكيل، لكن النقد لدينا حاليا يعاني من عدة اختلالات ربما تضعه في قفص الاتهام كإحدى آليات الوساطة المسؤولة عن هذا الانقطاع بين طرفي العلاقة، فكم من ناقد متواطئ سلبا أو إيجابا، بمعنى آخر جاحد للموضوعية عند توصيله «الرسالة» إلى مستهلكها؛ فيرفع لتصالحات أو تصادمات عملا لا يستحق إلى سدة «التقديس» مضلِّلا ومضلَّلا، فيخدع المتلقي الذي قد يثق في اسمه؛ لينال الأرباع والأخماس والأعشار من منتجي الثقافة الفاسدة، ماليس من حقهم من شهرة وتقدير ومكافأة، وكلنا نعاني مما طفا على سطح الظاهرة النقدية، خصوصا النقد الصحافي، أو الذي يتخذ من الصحافة السيارة، أو الجالسة، وسيلة لنشر نقده ما عرف باسم «الناقد الحارس» أو «البودي جارد النقدي» والتعبير من عندي، فما أن يظهر عمل لفلان الصديق أو «الدافع» أو ذي السلطان، أو المال،حتى يسارع الناقد المتواطئ إلى صناعته الرديئة من «التهليل» و«التطبيل» رافعا إياه إلى حيث فساحة الأضواء، وعروش النجومية، والألقاب التي أصبحت صناعة يكتسب من إطلاقها عدد لابأس به من النقاد، على حساب عدد لا بأس به من أشباه المبدعين.
ويرتبط بهذا التواطؤ «التهليلي» التواطؤ «الخرسي» بمعنى الصمت المطبق الذي يلف الناقد وأدواته، وندواته إزاء عمل يستحق هو وصاحبه أن ينعم بقطرات من الضوء، فلا يجد إلا عتمات متابعة، وأحجبة مانعة، وسدوداً وخرسا إعلاميا ونقديا، فلا يصيب المبدع من إبداعه الحقيقي إلا الإحباط والانزواء بعيدا عن الصناعة النقدية الفاسدة التي تزكم رائحتها الأنوف الزكية..
ثمة جانب آخر في الأزمة النقدية بوصف الناقد إحدى أدوات الوساطة، يكمن في افتتان الناقد بنظرية ما؛ فيحاول ترويجها كصاحب سلعة رأسمالية في المجتمع، فلا يتوانى عن الاهتمام بمن ينضوون تحت لوائها، مزيحا من عداهم إلى خلفية المشهد، وإن لجأ إلى لي الذراع النصية استجابة لقراءته النقدية المغرضة، ودون اعتبار لصعوبة استزراع نموذج نقدي في غير بيئته، أو استيراد ذائقة لتسويدها، حتى إن كانت النتيجة إحداث القطيعة بين المرسل والمتلقي أو بين منتج الثقافة ومستهلكها على اعتبار المفهوم الضيق المسيج للمثقفين في دائرة الإبداع الأدبي أو الفني.
وكثيرا ما يقع الناقد في فخاخ الترويج الذاتي، بمعنى الإعلان عن النفس متحذلقا بترديد بعض الاصطلاحات ولا يهم إن كانت تناسب المقام أولا، المهم أنها تشير ـ على طريقة الترويجات الاستهلاكية لعلب )الكريم والكلينكس( ـ إلى نسبة المكون الغربي في منتج الناقد، ومقدار ما في جعبته من ألفاظ ضخمة وتراديد أجنبية، تؤكد له ـ على الأقل ـ ضلاعته النقدية وعمق اتصاله بالآخر ـ وهذه ضرورة أؤكد على أهميتها بصرف النظر عن تعامل هذا أو ذاك معها ـ بمعنى أنه ـ أي هذا المتحذلق ـ يبحـــــث عن صورة ذاته فيما يشبه «الكليب الثقافي» ولا فرق عندئذ بينه وبين فتيات «الفضائيات العارية» إلا في مساحة التعري!
لا يختلف اثنان على أهمية الناقد وجدوى النقد، لكن كما سبق القول على ضرورته في المستوى التنظيري لاكتشاف منحى جمالي جديد، أو تأطير ملمح كتابي يراه الناقد بأدوات فحصه المجهري لدقائق التفاعل الإبداعي، أو على مستوى الدرس الأكاديمي الشارح أو المقارن بين ثقافات الشعوب وتأكيد قيمة التلاقح الثقافي، أو في الإطار التطبيقي بتناول الأعمال الإبداعية بدراسة منهجية موضوعية والقيام بالوساطة المأمولة بين المبدع والقارئ.
لكن أن يتصور الناقد أنه ممن يمسكون بالقلم الأحمر ويشيرون على الكاتب أن يكتب في هذا ويترك ذاك، أو يصححون المنتج على طريقة تقدير الدرجات، كما يمارسها المعلمون بمنح المبدع درجة من التصفيات، فهذا ما لا طائل من ورائه، فالناقد وظيفته قرائية لا تصحيحية، استنباطية لا حكمية فرضية.
ثمة نقطة جوهرية أراها جديرة بالإشارة ونحن نتحدث عن ملامح هزيمة المثقف العربي من خلال هذا الضلع في مثلث الأزمة، بالحديث حول النقد، تتمثل في الاستعلاء الذي يمارسه بعض النقاد ، فيتكاسلون عن متابعة الجديد، أو التنقيب في الأرض عن مكنونها الإبداعي الدفين، وينتظرون أن يسعى إليهم المبدع، أو«يتوسل» باعتبارهم «وسيلته» إلى متلقيه، وهذه جريمة نقدية لا تقل جسامةعن سابقتها، فضلا عن «الاستسهال» الذي يتعامل به بعض من ينتمون إلى هذه الوساطة، خصوصا الذين لا يفرقون بين المتابعات الصحافية والدراسة النقدية المرتكزة على منهجية وأسس موضوعية، فترى الناقد أو «المتناقد» منهم يتعامل مع إبداع أنفق فيه صاحبة وقتا ليس هينا من الزمن فيقدم هذا المتناقد قراءته بعد التعامل «النقدي» مع العمل فيما لا يجاوز الساعة أو الساعتين على أغلب تقدير ملتقطا فقرة من هنا، وأخرى من هناك، المهم أن يكون اسمه حاضرا ونقده متوافرا في العلب النقدية الجاهزة في أسواق النقد الاستهلاكية.
المتلقي بين الخمول والتفاعل
من نافلة القول أن غياب «المتلقي العربي عن شاشة التفاعل الثقافي صار هو «الحاضر» الأكبر في معظم المناقشات والكتابات على اختلاف مراميها، وتباين مثيريها، فليس من الطارئ المحدث الإشارة إلى انكسار هذا الضلع من أضلاع مثلث الهزيمة الراسخة بكل ثقلها على صدر الحال الثقافية الراهنة وإن كانت الأدبيات الإعلامية والمقولات سابقة التجهيز والعلب النقدية والقوالب التلفازية و«الكليبات الثقافية» تركز في كل مرة تتعرض فيها لمناقشة الانحدار الفكري والانحطاط الثقافي المستشري في جسد اللحظة العربية الآنية وسط هزيمة شاملة للأمة بإلقاء اللائمة وتعليق التبعة على رقاب الجمهور المسكين أي هذا الطرف المستقبل للرسالة دون أن تفسح المجال بشبه اتهام للطرف المرسل أو للوسيط المتواطئ، أو المتآمر في أحيان أخرى لإحداث القطيعة بين طرفي العلاقة، فلاتفتأ هذه العلب الجاهزة تخرج لنا «العفريت» متسربلة بعبارات مجانية ذائعة الصيت كريهة الرائحة مثل «الجمهور عايز كده» التي تلصق كل شيء بالجماهير أو الركاب ويظل الربابنة والقادة والنخبة والطليعة والمرسلون ـ بكسر السين ـ هم الضحايا الأبرياء، فالأزمة وفق هذه النظرة القاصرة يتحمل وزرها كبش الفداء الجاهز دائما للذبح، أقصد المتلقي الذي يذهب الكثيرون ـ ولست منهم ـ إلى وصفه بأنه المسير لقاطرة الاتصال.
وليس من شك في تهافت هذه النظرة وقصر عمرها إذا ما وضعت على المحك العلمي، وليس عصيا علـى الفهــــــم إدراك ماورائيـــــات هذه الرؤية من إراحة النفس من عبء المواجهة الذاتية وترحيل المسؤولية المقلقة في كثير من الأحيان.
لكن هذا يعني ذلك أن المستقبل أو المتلقي في حل من تبعات مسؤولية الاتصال؟ بالطبع لا، فالمثلث الشهير لا يهمل ـ بالقطع ـ هذا الضلع من عبء الأزمة وإذا كان البعض يعمد إلى تهميشه وإزاحته إلى حيث اللاتأثير، أو كان البعض الآخر يحمّله الجريمة، جريمة الانقطاع برمتها، فإن الإنصاف يستوجب ـ فيما أرى ـ توجيه بعض أصابع الاتهام إلى هذا الضلع مهما حاول التنصل من المسؤولية، والاختباء في أخاديد التوصيفات الإعلامية المعلبة.
إن مشكلة التلقي من أعظم ما يواجه الثقافة العالمية بشكل عام، وثقافتنا العربية بصورة خاصة وقد سيجت بخيبات ثقيلة الوطأة آلافا من الندوات واللقاءات والمؤتمرات، دون أن يتجاسر طرف من أطراف معادلة التلقي على مراجعة ذاته، فدائما الآخر هو المسؤول، والذات مبرأة والأنا حاضرة، ومن ثم يصبح الحوار غالبا لونا من ألوان الجدل البندولي البيزنطي الشهير.
إن أي نص يفترض أنه موجه لمتلق وهمي ربما لا يحدد الناص ملامحه إلا في بعض المخرجات الأدبية التقليدية، التي تأتي مباشرة وتقريرية وساذجة وتعليمية، أو نظما إذا جاءت في قالب الشعر، أو تحت لافتته.
ولكن مع «وهمية» هذا المتلقي وافتراضيته فإنه ـ بالتأكيد ـ جزء من الذائقة الجمعية التي تسود في زمن ما أو في مجتمع من المجتمعات على تباينات في درجة القرب أو البعد من مركز هذه الذائقة، ومن ثم فإن المبدع أو المرسل بوصفه جزءا أصيلا من هذه الذائقة يندرج هو الآخر تحت لافتة التلقي لمثيرات هذه الذائقة ومكوناتها «السوسيولوجية» أو «الجيوبوليتيكية» وكذلك فإن المتلقي بدرجة ما ـ كما سنبين لاحقا ـ قد ينتقل إلى الطرف الآخر من المعادلة بوصفه مبدعا منتجا للنص، نص مواز- بالتأكيد- لنص المبدع.
وتحررا من أية قيود تفرضها نظريات أو افتراضات سابقة التجهيز- لا أفضلها كواحد من المهمومين بالشأن الثقافي العام- فإني سأفترض التعامل مع هذا الطرف من معادلة الاتصال الفاشل وفق ثلاثة مستويات للتلقي، باعتماد أن أي نص أو هكذا يفترض، لا يستهدف شريحة أو طبقة أو فئة أو شخصا إلا في حال يبعد لازم الإبداع الحر، أي الوقوع في فخاخ الكتابة المشروطة وإن كان هذا لا يعني أني أدعو إلى إهمال المتلقي عند الإبداع، مع افتراض حتمي أن المبدع الحر يتخلص من كل سيطرة وإن كان ينضح بما تشربته ذائقته من الذائقة الجمعية مختلطا بخصوصيته الواجبة كمبدع.
أي نص ـ إذن ـ يواجه بمستويات عديدة من التلقي، تتفاوت بتفاوت المتلقين ومستوياتهم الاجتماعية والسياسية والبيئية بل والنفسية بشكل عام، وهذا هو النص الناجح في تحقيق الاتصال ـ بدرجة ما ـ دون انفصال تام عن المتلقي أو الانزواء في ثقة مصطنعة غالبا تحت لافتات من مثل «الكتابة للمستقبل» وتجاوز المتلقي الحاضر، ومواجهة الآتي بدلا من التفاعل مع الآني المرحلي كما هو شأن الأدب والثقافة الإيجابية بشكل عام.
المتلقي على درجات متبانية من سلم التلقي، فهو بين خامل و«عامل» و«مبدع» أو هكذا أميل إلى تقسيم درجة الفاعلية.
المتلقي الخامل هو الذي ينتظر على الضفة الأخرى من النهر من يعبر إليه بالمادة، أو الصورة والتحليل، من ينقل إليه الفهم غالبا، وهو غير مطلوب في الفن عموما، وفي الإبداع الأدبي بصورة أخص، وفي الشعر على أخص الخصوص، إنه ذلك الذي يتعامل ـ إذا جاز التعبير ـ مع المنتج الثقافي وفق منطق أو آليه «التيك أواي» أو التلقي سابق التجهيز، أو الوجبات الثقافية المعلبة، وفي رأيي الخاص فإن هذا المتلقي لا يؤمل منه خير لإحداث التفاعلات المأمولة، وأرى وجوب إهماله وتركه نهبا لـ«الجوع الثقافي» حتى يسعى أو يجاهد للانتقال إلى درجة تمكنه من سد الرمق والإبقاء على حياته داخل المشهد الثقافي متلقيا ينبض ويدرك أن دماء تسري في جسد يجاهد للبقاء، بمعنى، وإذا سمح التعبير، أن يجدد دورته «التلقوية»!.
والنوع الثاني هو المتلقي العامل، وربما لا يكون على درجة كبيرة من الوعي الثقافي النوعي، لكنه يعيش التماس مع المنتج الإبداعي بصورة تؤكد التبادل التأثيري بين الطرفين؛ فهو يبذل جهدا نوعيا في التعامل مع المرسل، ومن ثم قد يستعين بالوسائط على اختلاف وساطتها بعد اختبار مصداقيتها، ولذلك يمكن التعويل على هذا المتلقي في بذل جهد ما لإزالة آثار العدوان لفتيات ثقافة «الواوا» على المثقف العربي المهزوم المتراجع إلى خلفيات المشهد العام تحت سيطرة آليات «الميديا» القمرية في القرية الكونية.
النوع الثالث أو المستوى الثالث من التلقي، يوقفنا على تصور المتلقي المبدع، وهو هنا يمارس، وفق نظريات عديدة، عملية إنتاج النص الثقافي الإبداعي فهو يقرؤه وفق ذائقته الخاصة، ويعيد ترتيب أجزائه وعلاقاته الداخلية وتفسير جزئياته بإنتاج نص مواز لنص الكاتب الأصلي، ومن ثم فهو أقرب المستويات إلى الخروج بالثقافة العربية من مأزقها الراهن، حيث يكون التبادل الإبداعي للمنتج الثقافي العام.
من ثم فإن القارئ المتلقي المستقبل يكون قائدا للنص لا مقودا، إيجابيا لا سلبيا، فاعلا لا مفعولا به، ومن هنا تزداد الفاعلية وتنشط عملية المثاقفة، وهي ضرورة للخروج من مأزق «الجمهور عاوز كده» وفريق «ليس في الإمكان أبدع مما كان» من هواة التكلس والتحنيط وتثبيت الذائقة.