النحاسيات المزخرفة أو المطعمة بالفضة والذهب أو المحلاة بالصور والكتابة، منتجات فاخرة كما يبدو من هذه الصور، وتحتل اليوم في صالات المتاحف وقاعات هواة جمع الطرف والنوادر مرتبة التحف الفنية الثمينة. فهل صنعها أصحابها لتكون قطع زينة مثلا، أو مجرد تعبير عن مهارات في صب أو طرق النحاس وتطعيمه؟
من المؤكد أن الإجابة على هذا السؤال تحتاج إلى رحلة عبر الزمن، إلى ماض بعيد كانت فيه لهذه النحاسيات حوانيت وأسواق، وكانت موضع استخدام يومي. فالإبريق للماء والشراب، والمبخرة لحرق البخور، والشمعدان لشمعة يضيء لهبها العتمة،والصندوق لحفظ الحاجيات، والمقلمة للأقلام والحبر، ومرش العطور لنثرها على الملابس والأيدي. ولايمكن أن يكون الأمر على خلاف هذا، اللهم إلا إذا مضى بنا الوهم بعيدا وتخيلنا أن آلاف الصناع والحرفيين والتجار، كان همهم الوحيد صناعة وترويج تحف ساكنة للتأمل أو استثارة إعجاب الضيوف. أي كان كل هذا الجهد الفني في التفنن والزخرفة والنقش والحفرلمجرد أن يقال للصانع أبدعت، ولصاحب القطعة أحسنت، أو يقام مهرجان للمبدع لأنه أبدع بغض النظر عما ساهم فيه إبداعه في حياة الناس.
صحيح أن مظهر هذه التحف الفاخر يدل على أنها لم تكن في متناول الجميع، بل في متناول أصحاب الحول والطول، وأن الأسماء التي نقشها الصناع تشير إلى هؤلاء بلا مواربة، ولكن هل كانت تخلو بيوت الناس من مختلف الطبقات من أمثال هذه التحف؟
???
ما حفظته المتاحف ليس إلا الندرة النادرة من هذه النحاسيات، ولايمكن أن يؤخذ هذا القليل النادردليلا على أنها لم تكن موجودة ومستخدمة على نطاق واسع، أو أنها لم تكن جزءا من نسيج الحياة العامة.قد تكون هناك درجات في الجودة والتفنن والقيمة المادية، درجة أولى وثانية وثالثة كما يقال، إلا أن هذا الطابع في إضفاء لمسات جمالية على أدوات الحياة اليومية لابد أن يكون مبدأ هذه الحضارة التي أنتجتها، نعني الحضارية الإسلامية. فأنت حين تمر بواجهة حوض ماء وضع لأبناء السبيل على قارعة الطريق قديما، ستنظر إليها كما تنظر إلى تحفة فنية، توافرت على صناعتها أدوات معماري ونقاش ورسام ومزخرف، وربما لن تصدق أنها مجرد ما ندعوه اليوم «ماء سبيل» أقامه من تبرع به على هيئة صندوق خشبي أو بلاستيكي، وحماه ببضعة قضبان حديدية. ويمكن قول هذا عن مرافق حياتية أخرى لحضارة تبث إيقاعها في كل شيء تلمسه، يمكن قوله عن مبنى خان المسافرين وعن المسجد وعن الأسواق المسقوفة وأبواب البيوت والزهرية وصندوق حفظ الملابس والطست والصينية؛ كل هذه لم تكن فقط للمبيت أو العبادة أو التسوق أو دخول البيوت أو للزينة وملء البطون بالطعام والشراب، بل كانت بالإضافة إلى كل هذا تشكيلا للفضاء يبعث في النفس إحساسا بالمتعة والإبتهاج والألفة المنبعثة من تناسج الطبيعي بالإنساني.
???
هذه النحاسيات أخذت من أماكن مختلفة، من مدن مثل القاهرة ودمشق وصنعاء وأصفهان، أي من مساحة جغرافية تموجت فيها حركة الإستقرار بين مد وجزر بين القرنين الثالث عشر والخامس عشر، وتداخلت فيها الأساليب وتمازجت، فمنها ماجاء من آسيا الوسطى،ومنها ماجاء من الأندلس، ومنها ماجاء من مصر والشام. وكانت لهذه الحركة أسباب، إما طبيعية نتاج انتقال الأساليب والأفكارعلى طرق التجارة والملاحة، أو غير طبيعية نتاج الغزوات الآتية من شرق مغولي حين كانت تدفع بالصناع والفنانين إلى النزوح غربا،أو الغزوات الآتية من الغرب، فتدفع بالفنانين إلى النزوح شرقا. إلا أن مثابرتها على البقاء بالانتقال من مساحة إسلامية إلى أخرى مثيرة للإعجاب ودليل تأصل الحاجة إلى الفن والفنانين. فمثلا، مع قطع شريان التجارة عن موانيء الجزيرة العربية وموانيء المتوسط العربية بفعل دخول الأساطيل الغربية وسيطرتها على المحيط الهندي مع مطلع القرن السادس عشر، تدنت الحياة الاقتصادية في مصر والشام، ولحقتها فنون هذه الصناعة، وهنا نشاهد عواصم إسلامية أخرى في فارس مثلا تنهض لأداء المهمة، فتعود هذه الفنون الإسلامية إلى الازدهارفي أقاصي الشمال الشرقي البعيد، وتضفي على هذا الفن ألقا جديدا.
???
حين ننظر إلى النحاسيات من هذا المنظور الجديد، لاتعود مجرد أدوات مصنوعة خرساء، بل تكتسب دلالة أعمق، هي دلالة وجود نسيج حضاري يتكامل ولا يتنافر رغم تنوعه بل وربما بسبب هذا التنوع. أكثر من ذلك هي دلالة حيوية إنسان هذه الحضارة في ذروة عصور الأزمات، الحيوية التي استمدها بالطبع من اعتماده على قدراته الإنتاجية، وعلى النظرة الكلية إلى هويته ضمن هوية أوسع، هوية الجماعة ، لاهوية الفرد المعزول في نقعة ماء أو حبة رمل.
اليوم، حين يمر الإنسان منا بسوق تطرق فيه النحاسيات أو تصب، لن يجد في المصنوعات الساذجة ولا في أصوات المطارق ولمعة النحاس العاري من كل زينة، رغم جهود بعض الصناع في الحفاظ على لمحات من فن ضائع، سوى أصداء ماض بعيد، كان فيه هذا السوق محورا من محاور اجتماعية واقتصادية تعمل وتدور معا، لامجرد أثر باق من حياة كانت ذات يوم.
|