Untitled Document
تواصل معنا | بريــد القراء | طاقم مجلة الكويت | الأرشـيف | الصفـحـة الرئيسـية
كتبوا... فقرأنا.. ونكتب... فيقرأون!     ▪ خـــذهـــا...!     ▪ شــــــــــــــــــــــعـــــــــــبــــــــــيــــــــــات     ▪ خواطر وتأملات:الاستشراق... والكشف العلمي لمنهجه الزائف     ▪ ديوانية الإعلام : من يهن يسهل الهوان عليه!     ▪ «فارس الحكايا»«إلى روح درويش... المحلقة في فضاءات وطن... لا يتنازع عليه أحد».     ▪ لا تظنن أنها تبتسم!     ▪ وزير الإعلام: نهنئ الأسرة الإعلامية على تحقيق الكويت هذه المكانة العالمية العالية     ▪ باحثون قدموا دراسات أدبية ونقدية دورة "معجم البابطين".. تناقش المشهد الثقافي العالمي وحوار الحضارات     ▪ سيد النغم و ملك آلات الموسيقى العربية     ▪ نهلة الشايجي: ثقافة المرأة اليوم الاهتمام بالموضة     ▪ فجيعة الأنثى في القص النسوي الكويتي     ▪ ي ضرورة إعادة ترتيب المشهد الثقافي العام :الناقــد الحــارس والوساطة الشائهة بين المبدع والمتلقي     ▪ شاعر يلوح ويختفي في شعاب الكلام!     ▪ نحاسيات.. من منظور آخر     ▪ غنّــــام غنّـــــام النص والرؤية الإخراجية     ▪ سامي محمد فنان حرك الطين طفولته     ▪ دورة حافلة بالأفلام والنجوم والجوائز مهرجان الشرق الأوسط السينمائي الثاني     ▪ ومزق قصيدته     ▪ حــــرب سيطـــرة ولكن على عقول الأطفال     ▪ الإعلام المتخصص ودوره الحضاري     ▪ قادر على الإثارة رغم مرور أربعة عقود إشكالية المصطلح في «قصيدة النثر»     ▪ المحركات الهوائية     ▪ مضادات الأكسدة قيمة غذائية ووقائية عظمى     ▪ التــدخيــــن قاتلنــــا الـــذي نختـــاره بأنفسنـــا!     ▪ الـلــيـــزر واستخداماته الطبية     ▪ الصبر والتفاؤل مفتاحاها نحو النجاح سوسن الهارون: لا يوجد طريق إعلامي مفروش بالورود     ▪ الحق في الإعلام.. من حرية التكنولوجيا.. إلى تكنولوجيا الحرية     ▪ الفنان علي المفيدي وضع بصمته الفنية الخالدة... ورحل     ▪ الماجرية ومسلسلات «التحريك» الخليجية     ▪ في عالم مفتوح على البث الإذاعي الإذاعات الخاصة والإذاعة الرسمية منافسة أم صراع؟!     ▪ محمد علي ماهر أول من كتب دراما إسلامية لإذاعة الكويت     ▪ أفلام الكارتون... سم في العسل!     
Untitled Document
Untitled Document
أ-يعقوب الرشيد
أ.عبد الله الأنصاري
ملحق العدد
Untitled Document
بوسترات
....
 
 
 
لمحة عن الكاتب د. فايز الداية غنّــــام غنّـــــام النص والرؤية الإخراجية

 

قاربت رحلة غنّام غنّام مع المسرح ممثلا ومخرجا ومؤلفا ربع القرن منذ قدّم في عمّان بالأردن «تغريبة ظريف الطول» ممثلا بإخراج هاني صنوبر 1984، وكان أحدث أعماله تأليفا وإخراجا «يا مسافر وحدك» قد طاف بين عمّان والرقة في سورية والكويت «2005-2006».

أهم قضية تطرح مع هذه الشخصية الإبداعية المسرحية - إضافة إلى الآفاق والرؤى الاجتماعية والسياسية والإنسانية- هي توزّع عدد من نصوصه بين المنظومة الأدبية وطبيعة رسالتها إلى المتلقي وبين تلك العلامات الدرامية التي يشتمل عليها العرض المسرحي نقصد الإشارة إلى التمايز بين الدلالة اللغوية والدلالات السيميائية، فنتوجه إلى ما يطرأ على النصّ أو  يفرض بنية خاصة له عند غنّام.

 

 

إنّ ارتياد غنّام للسرد القصصي وذلك في ثلاث مجموعات: «قف للتفتيش 1986»  و«من يخاف 1989» و«برجمة» في مطلع مساره الإبداعي كان عاملا أساسيا في اقتداره على تكوينات درامية في نصوص عرفتها مسارح العواصم العربية، فهو يمسك ببؤرة مشعّة تتنامى حبكة لها،وتجد الدال والجملة الموصّلين والمعبّرين عن زاوية الرؤية وملمح الشخصية في المسرحية، وهذا ما لا يستطيعه كثيرون ممن يدخلون غمار أضواء الخشبة ممثلين ومخرجين،  ثم يغريهم هاجس التأليف، فلا تكتمل لهم الأدوات الأسلوبية الأدبية، ولا تنقاد مقولة متماسكة لما يطرحونه فطيراً علينا!!

تنداح نشاطات غنام في دائرة واسعة فهو ألّف أكثر من عشرين عملا مسرحيا طبع عدد منها «حكايات القاضي ريحان 1991، كأنك يا بو زيد 1996، خمس دمى وامرأة1997،حياة وحياة 1999، تجلّيات ضياء الروح 2000، ظُلمة الأمبراطور2002» ونذكر عناوين أعمال أخرى: الزير سالم، معروف الإسكافي، آخر منامات الوهراني، سيف الياسمين الدمشقي، وندرك من خلال سيرته مشاركته في المسرح المدرسي والكتابة للأطفال، وفي زاوية أخرى نراه يكتب الدراما التلفازية ويشارك في المهرجانات المسرحية ومنتدياتها بمجموعة من البحوث النظرية والفكرية.

ثمة نقاط ارتكاز: الأولى هي أن غنام يكتب نصوصه بالعربية الفصحى وفي نظرة سريعة إلى برامج الفرق العربية المعاصرة الرسمية منها والأهلية من مسارح اليمن والخليج العربي إلى ديار الشام ومصر وربوع المغارب والجزيرة والسودان والعراق نجد أن النص باللغة الفصحى هو صاحب الفرصة في استقباله على خشبات العروض التي غاب عنها عدد من الكتّاب الذين ملؤوا ساحة المسرح في أيامهم بأعمال هامة«نعمان عاشور ويوسف إدريس وسعد الدين وهبة...» لكن صياغتها بالعامية تحول دون نقلها إلى بيئات عربية أخرى، والنقطة الثانية هي انحيازه إلى الدراما في حداثة الإخراج وفي الفصل الواحد الممتد وفي اقتراب جماهيري عبر الفرجة والاحتفالية رغبة في أن  يكون المسرح للجميع في ألوان الطيف، والنقطة الثالثة اتكاؤه على حسّ كوميديّ ساخر ينفذ من خلال المواقف،وفي هذا السياق نرى أنه لا بدّ للساحات الثقافية والفنية العربية من أن تحقق نقلة حضارية وذلك برعاية الطاقات المبدعة في المسرح في إهاب دار أو مؤسسة تمنح فرصة التراكم النوعي تأليفا وإخراجا.

حافّة القهر والدمى الخمس

يبدو نص مسرحية «خمس دمى وامرأة» حاملاً مؤثرات إخراجية في تأليفه، ذلك أن غنام لم يقف عند الدلالة اللغوية، وإنما وضع إشارات هي دلالات مؤجلة سوف تظهر مع العرض على الخشبة. 

نحن أمام فصل واحد طويل يضم شخصيتين: هو/ هي يدور الحوار بينهما في مكان واحد هو جسر في طرف المدينة، ونفاجأ في مفتتحه بصيغة سردية تصف الموقع والجوّ والشخصية النسائية إلا أننا رغم معرفتنا بصلة غنام بالقصة وتقنياتها ندرك أنه في هذه الاستفادة يخدم الإجراء الإخراجي، وهذا ما لا يعطيه المؤلف المسرحي عادة إلاّ في كلمات معدودة تاركا تحقيقها لمن سيتولّى إطلاق الكلمات ويكمل المَشاهد أي المخرج، وكذلك نلتفت إلى تكرار عملية استرجاعية لذكريات ماضي هاتين الشخصيتين مع استطالة الحوار تحكي أحداثا وفيها أشخاص آخرون، وواضح أن هناك ترجمة في زاوية المسرح هي أداء مشهد داخل المسرحية، وهنا نقف مع حالة التلقي ذلك أنها لا تتبلور وتحتاج من القارئ للنص أن يتميّز بخيال مسرحي بعد طول ألفة العروض، وأما من لم يألف استحضار الصور البصرية فلن تصل إليه الدلالة مكتنزة، وكأني بالمؤلف غنام يرسل نصه إلى أهل المسرح و... عشّاقه القادرين على التواصل.

وثمة مشهد يحرّك فيه الرجل «هو» الدمى الخمس - وهن زوجاته الأربع المتخيّلة وأمه- في حوار يدور بينها وجليّ أن تنفيذه هو الذي يفرش تأثيره الكوميدي عبر الأصوات أو تقليدها بنغمات تعبيرية.

أما الأدوات الرمزية التي تصلنا من خلال القراءة فإنها مرسومة بعين تراها مجسّمة وأولها: الجسر الذي تدور فوقه الأحداث، فإنه يكتسب دلالة النقيض لطبيعته في التوصيل والتواصل مع الآخرين، لقد تحوّل الجسر إلى حافة الهاوية حيث يحاول الرجل الانتحار، وتشعر هذه المرأة بنهاية العالم ونضوب الأمل إذ تتعثر ولا تعرف اتجاها تتخذه نحو الناس الذين بدت أمامها أنيابهم ومخالب لهم !! إنّ المخرج الواعي لهذه الدلالة سوف يوزّع أطراف المكان ويرسم الحركة، ويفيد من الإضاءة ليتعاظم السلبي من الدلالة والوحشة.

وكذلك فيما يتصل باضطراب - تعدد الشخصيات والأسماء والمهن داخل الرجل /هو والمرأة/هي، فيمكن تلوين الأداء لتكون /هي أمّاً تحنو في لحظات على ابنها - المفترض - الرجل ! ثم تتحول إلى الأنثى المحبوبة متجهة معه إلى عشّ وأحلام فيه، ومع تعدد أسماء الرجل يكتسب صوته وحركته سمات متباينة، ونلحظ أن غنام يشير من خلال هذا التشظّي إلى أمرين واحد نكتشفه لاحقا في لحظات الختام عندما نعرف أننا أمام هارب من مصحّة عقلية وهاربة من السجن من جريمة لم ترتكبها، والأمر الآخر هو ـ أن حشداً من البؤساء والمقهورين في حياتنا العصرية ومدننا القاسية يظهرون في عشرات من المرايا المتكسّرة مع: هو/هي!!  هؤلاء الذين لا تزيد أمنياتهم على سقف آمن وكلمات حبّ يتلفّعون بها في صقيع فقد إنسانيته.

إن المسرحية تتنقل في مشاهدها المركّبة بين قاع المجتمع وبيوته المفكّكة وعلاقات غدت كالهشيم لا قوام لها يعين على استمرار العيش، فهناك من يهربون إلى انفصام كالجنون أو تشرّدهم الأيام والليالي، ويسود النصَّ إيقاعٌ كوميدي ساخر يمتزج  بدلالات المسرحية من غير انفصال أو انفراد يقطع التسلسل الدرامي المؤلم، أو يطغى على الصراع غير المتكافئ بين هؤلاء وظلم يحاصر.

نهار ضائع

تحتشد في مسرحية «حياة وحياة» دلالات الرموز والواقع، ذلك أنها تقدّم جردة حساب لتاريخنا المعاصر منذ الستينات، وما كان من زلازل حزيران 1967 وما وراءها وإشراقة تشرين- أكتوبر1973 وما حاق بها، وذلك في فصل واحد ممتدّ. 

نجد عدة مستويات أولها علاقة حياة المرأة بزوجها وحبيبها نهار ووقائع المعيشة في البيت والمقهى والمشغل... وثانيها علاقة رمزية - فنتازية بين حياة العجوز وحياة الصبية وهما في الواقع شخصية واحدة انشطرت فغدت كلّ منهما مرآة للأخرى تقوم بكشف المزالق والفرص الضائعة في مسار لشريك العمر الزوج «نهار» وأما المستوى الثالث فهو الترميز الأبعد لنسيج المجتمع العربي في تلك المرحلة التاريخية، وكلٌّ يلقي باللوم على الآخرين، وحقيقة الأمر أن الجميع يحملون المسؤولية إبان المدّ الثوري وطموحات التحرير وبناء مستقبل للأمة، فقد صاحبت الشعاراتِ الكثيرةَ حالاتٌ صوتية وأمنياتٌ بلا رصيد من الجهد والتكامل، و تبرز أمامنا دلالة الاسم: نهار و دلالة: حياة في مسار الأمة.

في هذا التركيب للبنية الدرامية تظهر الحاجة إلى إجراءات المخرج حتّى يحمل العرض كل الدلالات أو ليفتح أمام المتلقين مجالات التأويل، وقد ترك غنام مساحة التنفيذ ليقوم بها هو أو أي مخرج يضطلع بتجسيد النص الأدبي مَشاهد بعلاماتها التقنية و الأدائية، وأول نقطة هي تلك الناموسية فوق سرير يرقد فيه «نهار» منهكا بعد رحلة ثلاثين عاما، فالموقع على الخشبة والإضاءة والتحرّك نحوه والانتقال إلى أطراف الخشبة كلّ هذا يعتمد على إيقاع محدد فيه الرهبة والتوجّس تعين عليه الموسيقا، ثم يأتي تحقيق انشطار «حياة» ومغادرة الصبية موقعها داخل إطار صورة على الجدار لتغدو امرأة تحاور وتشتبك مع«حياة» العجوز، فتنفيذ هذا الإجراء بشكل متميز ومفاجئ يمكن أن يهيمن على أجواء التلقي، ويدخل المشاهدين منطقة التأويل واختراق الواقعي، وكما رأينا من قبل تتعدد في هذا النص حالات استرجاع الماضي وأحداثه، وسوف تكون في جانب من الخشبة يضاء ثم تعود الحركة إلى المرأتين، وهذا الانتقال بين الموقع الأساسي «الناموسية- الجسد المسجّى- العجوز بأثقال الماضي والكوارث» ومجريات المواقف المؤدية إلى هذا المصير، إن الانتقال هو الذي سيحدد مدى التأثير وإنتاج الدلالة السياسية المعاصرة، وثمة خيط صلب يمتد من الذاتي - الفردي في هذا الزوج الثوري إلى العام وهو ما آلت إليه المصائر بعد 1967 و1973 من ارتطام وتحطّم لقيم كثيرة خاصة بعد أن أمسكنا بخيوط فجر جديد في أكتوبر 1973 ثم جاءت الخديعة لرفاق الدرب والارتماء في أحضان الخصوم وأعداء الأمة في صفقة تتضح خسائرها يوما بعد يوم،وقد رأينا «نهار» يضيع في طرقات لا آخر لها.

الأسطورة تقتحم الواقع

أقدم غنام على مغامرة عندما وضع السيرة الهلالية في قبضته تحت عنوان «كأنك يا بو زيد» وقد نجح في جمع خيوط متماسكة منها، وأعتقد أن عين المخرج كانت وراء اختياره لمفاصل من تلك الملحمة الشعبية وهو- وإن لم يحدد في النصّ مواضع التوقف أو الفصل بين الأحداث - كان شكّل عددا من الوحدات الدرامية كلّ منها له قوام عبر علاقات الشخصيات فيه وحدث هو بؤرة لها، وظلت الرابطة الأساسية في التسلسل الزمني قائمة تفسّر الآتي. وكانت دلالة الأداء التعبيري والمفارقة الكوميدية واقترانها بكسر العصور القديمة وامتزاجها بأيامنا كانت هذه الدلالة مؤجَّلة أي أن غنام راهن على العرض الذي يمتلك المشاهدين بأكثر مما يكون في نصه المدوّن، إضافة إلى استفادة المسرحية من قدرات العرض في تجسيد النقلات التي يسردها الراوي بعرض شاشة مرافقة تعين على المزج الزمني القديم والمعاصر.

بدأت المسرحية بأبي زيد الهلالي منذ ولادته وختمت بنهايته إلا أنها أعطت   الشخصيات الملحمية الأخرى أدوارا فاعلة سواء من جيل الآباء: رزق والد أبي زيد وسرحان و الخضرة وزحلان والأبناء: بركات - أبو زيد والحسن بن سرحان ودياب بن غانم والجازية والأحفاد: مرعي ويونس و في الطرف الآخر: الزناتي خليفة وابنته سعدى، وجاء هذا الاختيار دلالة على شمول الإشارات التي تصدر عن أخطاء التاريخ- الأسطورة وهي المتماهية مع زماننا، وكان من المستطاع دراميا التركيز على شخصية مركزية واحدة أو مرحلة، وثمة إغراء بعمل تراجيدي في القسم الأخير من التغريبة عندما يشكّل العنصر الشرير دياب بن غانم محرّكا لرياح تأكل الأخضر واليابس، وتترك الأشلاء على نحو مأساوي تتشتت معه قضية الهلالية ورحلتهم، وينقلب الخلاص الجماعي إلى نزعة طغيان مدمّر.

وضع غنام علامات يعرفها ويلمسها المخرج في نصه تجعله أقساما كل منها يشتمل على لوحات متتابعة ومترابطة، وهذا يعطي المتلقي القدرة على ملاحقة التطورات الكبرى في الملحمة الهلالية «انتظار المولود والمفاجأة بأنه أسود البشرة: أبو زيد وطرده مع أمه الخضرة من ديار القبيلة- احتضان الزحلان لبركات/أبو زيد ثم الانتصار على جيش أبي الجود - هجوم الهلالية على الزحلان والتعرّف والعودة إلى القبيلة مع رزق وسرحان - الهلالية والدفاع عن اليمن - مغامرة سراج مع ملك اليونان فلحان وابنته جنان - المَحْل والجفاف والتفكير بالرحلة إلى بلاد تونس - الريادة بقيادة أبي زيد واستطلاع الطريق - الزناتي وابنته سعدى والمواجهة الضروس للهلالية - بنو هلال بعد الانتصار على الزناتي تتفكك أواصرهم،ويحلّ الموت بالقادة والأشراف بغدر دياب ليغدو الطاغية ولتتحقق المقولة الشعبية: كأنك يا بو زيد ما غزيت.

رافقت تلك الأحداث دلالة رمزية هي حضور غرابين منذ النبوءة وحلم رزق حتى موت أبي زيد في تونس على يد دياب بن غانم، وهنا نجد الإشارة الكاشفة عن هدف العمل الدرامي خاصة مع ربطه بثنائية تكررت هي كسر التاريخ والأسطورة بعبارات من أيامنا في العصر الحديث، وبأداء ساخر يخترق صور الأبطال وحروبهم وهالات أحاطت بهم، نقرأ جانبا منها:

بركات: يا سيد الكرام أعدك بالنصر التام اصعدْ تلك الربوة وارقبْ فعال رجالك.

«يصعد الزحلان مرتفعا، يخرج من جيبه منظارا عسكريا يرقب به المعركة، يظهر أبو الجود على هيئة روبوت-رجل آلي»

زحلان: كان الله في عونك يا بو الجود ألا يختنق وهو بداخل...

إن نظرة نقدية تكمن خلف هذه الأساليب وهذا الاختيار - لدى غنام- من حشد تفاصيل الملحمة الهلالية، فثمة ما نبصره في تلك التجارب القديمة وأخطائها وخلخلة أصابت الشعارات، وما آلت إليه في النهاية، فهل نصوغ تجربتنا على نحو آخر في يومنا هذا؟!! لعلنا نقرن المصطلح المسرحي الحديث وهو«التغريب» بما فعله غنام في «كأنك يا بوزيد» فهو يكسر وهم المشاهدة المستريحة إلى الحكايات وانتصاراتها، ويدعو إلى التفكير والبحث عن طرق لاستمرار الحياة في هذا العالم، ولكن المدهش هو إمكانية جمع مظاهر الفرجة والاستعراض في البيئات المتعددة بأزيائها وموسيقاها مع القطع الكوميدي الساخر والإشارات المعاصرة، وهكذا فإن الرؤية الإخراجية ستكون الفاصل بين نجاح قادرعلى التوصيل أو اختلاط الأوراق والكلمات والأزمنة في هذا النص المسرحي.

تراجيديا  لكل العصور

تطلع غنام إلى تناول أبعاد إنسانية تسبر غور النفس وصراعات لها مع الآخر يرتفع فيها التوتر التراجيدي على نحو مختلف عمّا رأيناه، فإن مسرحية «ظُلمة الأمبراطور» تدخل منطقة السلطة وأهواء من تستبد بهم رغبة الاستحواذ والسيطرة، فيحطّمون من حولهم، وتنقلب انتصاراتهم إلى هزائم وكوارث بل إنها تغدو لعنة تنداح فتغمر أجيالا في سلسلة لا تكاد توقفها إلاّ الدماء الأمبراطورية!!

المسرحية لا تلتفت إلى السلطة والعدالة والشعب وما يكون من قيم ناظمة لذلك، بل هي تخوض في الذات البشرية وتمثّلها «ظبأة» التي تغرق في رغبة العشق ورغبة السيطرة ،ويكتشف الأمبراطور خيانتها فيقتل عشيقها القائد «النؤوش» وسرعان ما تنتقم منه، فتغدو صاحبة الكلمة بعد موته لكن زوجة ابنها «العدول» وهي غجرية اسمها «ولوع» تعيد سيرتها، ويرث هذه اللعنة الحفيد «العرام» الذي يتفوّق خرقه للقيم وطغيانه كل تصوّر في محاولة اجتراء على المحارم، ويسعى إلى قتل أبيه الذي كان هرب انتظارا للنجاة، وفي المواجهة الأخيرة يقتل أباه وأمه.

اتخذت المسرحية شكل الفصل الواحد الطويل، واعتمدت على استرجاع الأحداث عبر المراحل الزمنية، فهي تبدأ في قبو ومخزن مهمل، وتنتهي فيه الموقعة الأخيرة، وهذا يعود بنا إلى اتكاء على القدرات الإخراجية التي تمنح الحلول لتلوين العرض بالتقنيات والأداء، ولكننا نلحظ أن هذه الخامة التراجيدية الجيدة مالت إلى قدر من السردية بتطاول الزمن بين الأجيال «مرور عشر سنوات، ثم مرور خمس عشرة سنة»، وكان توالي أفراد الأسرة والحاشية شاغلا عن تعميق عدد منها، وغدا العمل أقرب إلى التجريد الفكري، وفي هذه الحالة لا يمكن لأساليب الفرجة أو لأجواء أسطورية أن تعوّض البنية الدرامية في كثافة وبؤرة شديدة التركيز، وقد يثور تساؤل كيف وجدنا التكامل في مسرحية «كأنك يا بو زيد» مع طول الزمن وكثرة الشخصيات وافتقدناه ههنا في«ظلمة الأمبراطور»؟

إن الأحداث التراثية وشخصياتها أنضجتها السنوات وغدت مقبولة ومتوازنة في تفاعلها وأدوارها وكل ما يغيّب أو يسكت عنه في الأعمال المستوحاة منها يظل حاضرا بشكل أو بآخر لدى المتلقين، فثمة طاقة مشعّة واسعة الطيف، وأما في العمل الجديد فيتفاوت المنجَز بحسب فرصة التشكيل والصياغة وتطويع البنية الدرامية. وكان صراع المرأة مع الرجل في سباق السلطة والتحكّم بداية قابلة للتعميق إلاّ أنها انتهت بسرعة مع الجيل الأول «العدوس/ظبأة» وتكررت مع الجيل الثاني «العدول/وليع» وكان يمكن إظهار ردّ الفعل لدى الجيل الثالث «العرام» بانتظام يعيد ميزان القوى إلى نصابه إلاّ أن المسرحية لم تتابع هذا الخط، فكان  الحفيد حربا على الجميع، وأولهم والده العدول، وكان الجوّ القديم في المسرحية وإضفاء السحرية ومعتقدات أسطورية محاولة للوصول إلى المناخ التراجيدي.

  عودة أضف تعقيب
 
Untitled Document
Untitled Document

كلمة الكويت

 

متابعات

 

موضوع الغلاف

 

حوار

 

آراء

 

قراءة

 

رؤية

 

قصة قصيرة

 

مسارات

 

تصوير

 

نقد

 

تشكيل

 

سينما

 

شعبيات

 

ثوابت

 

ذاكرة

 

كتاب

 

شعر

 

فكر

 

قضايا أدبية

 

اللحظة الطبيعية

 

علوم

 

صحة

 

طب

 

تحت دائرة الضوء

 

إعلام

 

بصمة

 

فضائيات

 

تحقيق

 

من أرشيف الإذاعة

 

تلفزيون

 

أخبار الإعلام

 
بوسترات