التـنـــــــقـــــيــب - أو إن شئت - التنقير في كنوز وذخائر مدونات حضارتنا العتيدة العميدة، تقودك دوما إلى جوانب مضيئة، وربما مغمورة أو مطمورة، إلى جانب المشهورة. توصف لك غناها، بحرا مليئا بالجواهر واللآلئ، مصونة في أصدافها. توقفك على ساحل عميق المياه بعيد الآفاق جداب لأي مرتاد جاد، معجب لكل مريد تلقاها وأنت تتابع في تضاعيفها تلك الكنوز الغنية الفذة النادرة. يمر عليك ما يدهشك ويفجؤك بمدلولاته وقيمه الباهرة، بل قد يأخذك إلى إثارة، تصل بك إلى النظر الجديد البعيد، الذي قد يأخذك إلى الاستضحاك البهيج. والأمر بعد ذلك وقبله بحاجة شديدة ماسة إلى البحث الأصيل الرصين بيد باحث مكين.
فهل وكم تكون قد سمعت أو عرفت شيئا عن الشاعر الشهيد أبو محمد عبدالجليل بن وهبون المرسي)1( «483هـ»، من مدينة مرسية والذي كان شاعرا متقدما من الفطاحل وأهل الأدب، ويرتجل الشعر)2(. لذا كان قريبا من الشاعر الأمير المعتمد بن عباد «488هـ» أمير إشبيلية.
ويوما كان ابن وهبون راجعا - مع صديقه أبو إسحاق إبراهيم بن أبي الفتح ابن خفاجة «533هـ» من المغرب، فبينما كانا في الطريق بين لورقة ومرسية طلعت عليهم طالعة من الجنود النصارى سلبوا ابن خفاجة ما معه وقتلوا ابن وهبون)3( «ولما ابتدأت الفتنة بالمعتمد، بادر الخروج عن البلد، فلم يغن عنه نفاره وأدركه مقداره، على قرب من مرسية، لقي قطعة من خيل النصارى فتورط فيهم، وقضى الله له بالشهادة على أيديهم»)4(.
امتاز ابن وهبون في فنون عدة من الشعر، منها الوصف)5( والمديح والتوفيق بين حالتين)6(. ولقد وردت بعض أخبار عن ابن وهبون تجعلنا نضفي عليه مواصفات جيدة تترقى به، لا سيما الصدق والتواضع والإقرار بكل ذلك دون تردد. ومما يذكر في ذلك قصة رائعة كريمة بارة في بابها، وتحمل روعتها في ذاتها مثلما تحمل قوتها وطرافتها.
ذلك أنه بعد معركة الزلافة التي جرت في الأندلس، جنوب غرب مدريد نحو 350 كم قرب مدينة بطليوس على حدود البرتغال، يوم الجمعة 21 رجب سنـــــة 479هـ = 32/10/1086م» وأبلى فيها المسلمون أمام الأعداء أحسن البلاء وقدموا الشهداء. كانت هذه المعركة بقيادة الشاعر الأمير المعتمد بن عباد والقائد المرابطي المقدام أمير المسلمين يوسف بن تاشفين، قائدا عاما للمعركة. عندها أنزل الله تعالى نصره على المسلمين.
جلس المعتمد لاستقبال التهاني، وكان للشعر في مثل هذه المناسبات مكانة ودور ومقال لذا قدم الشعراء يتبارون في الإشادة بهذه المناسبة لإلقاء قصائدهم تهنئة بهذا اليوم الكبير العزيز وذكر النصر الباهر، كان منهم شاعرنا ابن وهبون.
وحين التأم المجلس بدأ بقراءة القرآن الكريم، فلما قرأ القارئ الآية الكريمة «إلا تنصروه فقد نصره الله»، استقل واستقصر واستصغر ابن وهبون قصيدته أمامها، خضوعا وإقرارا وانصياعا، فما كان منه إلا أن مزق قصيدته وانصرف «ولما دخل ابن عباد إشبيلية جلس للناس وهنئ بالفتح، وقرأت القراء وقامت على رأسه الشعراء فأنشدوه، قال عبدالجليل بن وهبون: «حضرت ذلك اليوم وأعددت قصيدة أنشدها إياها فقرأ القارئ: «إلا تنصروه فقد نصره الله» «التوبة، 40»، فقلت: بعدا لي ولشعري، والله ما أبقت لي هذه الآية معنى أحضره وأقوم به»)7( فمزق قصيدته تلك، فلم يقلها وسكت منصرفا. ألا يذكر هذا بعض الشيء بموقف لبيد بن ربيعة «14هـ أو قبلها» - أحد أصحاب المعلقات - حين لم يقل شعرا، فسكت عنه و أعرض، بعد إسلامه على ما يذكر بعضهم غير بيت واحد هو:
الحمدلله الذي لم يأتني أجلي
حتى اكتسيت من الإسلام سربالا
أو:
ما عاتب المرء الكريم كنفسه
والمرء يصلحه القرين الصالح
هوامش يمانية:
1- هذه الصيغة متعددة، يكاد ينفرد بها الأندلس، من مثل، ابن خلصون، ابن شلبون، ابن عبدون، ابن زيدون، ابن خيرون، ابن بدرون، ابن حيون، ابن فحلون، ابن زرقون... إلخ.
2- المطرب من أشعار أهل المغرب، ابن دحية الكلبي، 118، الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة، ابن بسام الشنتريني، 2/358 الوافي بالوفيات، الصفدي، 18/52، 55 نفح الطيب، المقري، 3/194، 235،268، 4/20، 260. تاريخ الأدب العربي، عمر فروخ، 4/665. وفيات الأعيان، ابن خلكان، 1/124 .
3- المطرب، 123 تاريخ الأدب، 4/664. الوافي، 52 .
4- الذخيرة، 2/853. «قارن: نفح الطيب، 3/318 - 319». الوافي بالوفيات، الصفدي، 81/25
5- الذخيرة، 2/273، 380 - 381. الروض المعطار، الجميري، 443. نفح الطيب، 4/95 - 60، 260. أعمال الإعلام، ابن الخطيب، 246.
6 - الحلة السيراء، ابن الأبار، 2/160. وفيات، 4/624. الوافي، 18/57. المغرب في حلى المغرب، ابن سعيد الأندلسي، 1/391 .
7- الروض المعطار، 292. كذلك: نفح الطيب، 4/370 «قارن: نفح، 7/7، 3/404». انظر: المطرب، 120، 123 .