ينتمي هذا الكتاب إلى صنف من المؤلفات يتعامل مع سؤال كبير تعددت الإجابات عليه وتشعبت:
ما الكيفية التي يتوجب علينا أن نربي أطفالنا بها كي يصبحوا مواطنين أخياراً وتلك بشهادة المؤلف ليست أمراً هيناً. فما يفاقم هذه الإشكالية الانقسام الحاد الذي يراه المؤلف بين تيار ليبرالي بكل تلاوينه، وآخر سلطوي بكل تلاوينه حول الطريقة المثلى لتربية الأطفال وتعليمهم. فأصبحت المدارس العامة أرضاً للحرب بين هذين التيارين، ومن هنا اختار المؤلف «الحرب للسيطرة على عقول الأطفال» عنواناً لكتابه?.
منصور مبارك
فكرة الكتاب كما أسلفت ليست جديدة، ولكن مقاربته ومحتواه فيهما جدة. فمنذ زمن أفلاطون استلهمت فكرة تعليم الأطفال بوصفها أداة مثلى وناجعة لصناعة مجتمعات متخيلة. على النحو الذي سرده أفلاطون في كتاب الجمهورية. يميز المؤلف في هذا الكتاب بين تيارين، أولاً؛ «السلطويين» ويقصد بهم أولئك الذين يعتنقون المبدأ القائل بأن الأطفال في تعليمهم يجب أن يخضعوا لسلطة خارجية كي يتبينوا الحق من الباطل. ثانياً؛ «الليبراليين» وهم من يعتقد بضرورة تفكير الأطفال بقدر كبير من الاستقلالية، وعلى نحو نقدي، في كافة القضايا الأخلاقية. كي يصبح بمقدورهم - دون الركون بالطبع إلى سلطة خارجية - تمييز الخطأ عن الصواب.
لا يلتزم المؤلف الحيادية المتوخاة تجاه موضوع كتابه، إذ نجده يدافع عن أطروحات التيار الليبرالي في التعليم وتصوراته، ويقدم الحجج والبراهين على صواب أطروحاته، كما أنه يقدم دحضاً لحجج التيار «السلطوي» ومقولاته.
ويحسب للمؤلف في كل ما سبق عدم إفراطه بالتجريد واقتصاده بالمصطلحات المتخصصة، وفي تناوله طيفاً واسعاً من تجارب التعليم.
يتكئ المؤلف في دفاعه عن النموذج الليبرالي في التعليم على فلسفة التنوير، وتحديداً على مفهوم الفيلسوف الألماني كانط للتنوير، الذي يدفع الفرد إلى استخدام عقله بجرأة دونما الخضوع لعقل آخر يحيله بالتالي إلى تابع له. ويستطرد قائلاً بأن الفرق الفارق بين التعليم «السلطوي» و «الليبرالي» يكمن من جهة في حرية الفـكر والرأي. ومن جهة أخرى في المدى الذي من خلاله يعبر الأطفال عن ذاتهم. ويستخلصوا بأنفسهم الأحكام، كما ويخضعون كل شيء للتفكير النقدي.
هيمنة على العقل
غني عن القول أن تلك المقاربة تمثل بالفعل أولويات التعليم الليبرالي، بل أنها جذر ما اصطلح على تسميته بالآداب الحرة Liberal Arts . ولكن المؤلف - في الوقت عينه - يسوق تنبيهاً ضرورياً، إلى أن ما سبق لا يعني بالضرورة إفضاء التعليم الليبرالي إلى سلبيات مثل الفوضى، والانحلال الأخلاقي، والعدمية وغيرها. بل على النقيض من ذلك، فإنه يذهب إلى أن كلا التيارين - في ممارستهما للتعليم - ينشآن الأطفال في بيئة تعليمية تحكمها الضوابط والقوانين. فضلاً عن ذلك فإن كليهما يتوقع من الطلبة أن يعاملوا زملاءهم ومعلميهم باحترام وتقدير. كما أنهما يلجآن إلى آلية العقاب حينما يخرق الطلبة القوانين ويتمردون عليها. وأخيراً فإن كلا التيارين يجاهدان في تقديم مجموعة واضحة من القيم المعنوية والأخلاقية، ولكن طريقهما يفترق عند نوعية المواقف التي يزرعانها في عقول طلبتهم تجاه القوانين والقيم. والمؤلف ينظر إلى تلك النقطة بوصفها النواة الصلبة المستقرة في أعماق كلا التيارين، حيث يقدم التعليم الليبرالي للطلبة مساحة واسعة من الحرية يناقشون ويفندون من خلالها كافة القوانين والأنظمة التي يتوجب عليهم أن يحتكموا إليها ويلتزموا بها. في حين لا يحظى الطلبة في التعليم السلطوي بالفرصة لمناقشة تلك القوانين والأنظمة وانتقادها بل أن تلك الهيمنة - كما يعتقد المؤلف - تذهب شوطاً أبعد لتمتد إلى العقل، فليس مطلوباًَ من الطلبة الالتزام في سلوكهم فقط، بل كذلك بالكيفية التي يفكرون بها.
يرى المؤلف أن هناك مجموعة متكاملة من الأساليب يفلح خلالها التيار السلطوي بفرض طريقة بعينها من التفكير، يوردها على النحو التالي:
1( العقاب: حيث يعتبر التيار السلطوي هذه الأداة ليست فاعلة فقط في تقويم سلوك الطفل بل كذلك في تقويم أفكاره.
2( الثواب: هي تعد كذلك أداة ناجعة في جعل الأطفال يعكسون المواقف التي يرغب التيار السلطوي في تقبلهم لها.
3( الخيال المحفز والخداع: حيث يتم تخليق شخصيات سلطوية عليا في أذهان الطلبة بحيث يصبح من السهل مراقبة أفعال الأطفال وأفكارهم واحتكارها على حد سواء.
4( الضغط الاجتماعي: وأسلوب الضغط الاجتماعي يستخدم لاستبعاد أسئلة معينة أو مناقشة معتقدات معينة.
5( التكرار: وذلك أسلوب آخر شائع في تكييف عقول الصغار يتمثل في اعتماد الصم والترداد للمعلومات والمعرفة دون تعقل أو تدبر.
6( السيطرة والرقابة: حيث تتيح هاتين الأداتين للتعليم التسلطي إبعاد عقول الصغار عن الانفتاح على أنظمة معرفية بديلة.
7( العزلة: وهو أسلوب يلـجأ من خلاله التعليم التسلطي إلى خلق جماعة مغلقة لا تختلط بمن يختلف معها بالرأي.
8( اللايقين: حيث يعمد التيار السلطوي إلى انتهاز ارتجاح يقين الفرد تجاه قضايا كثيرة - مع ما يخلفه ذلك أحياناً من أزمة وجودية - فيعمد إلى وضع قوانين ومبادئ بسيطة مصممة مسبقاً لكي تعطي معنى لأوجه الحياة كافة.
9( القبلية: وهي آلية تتجسد في الانتماء إلى الجماعة والولاء لقادتها ومعتقداتها، ما يجعل أفرادها يبدون دوماً عاجزين عن نقدها.
ويخلص المؤلف إلى أن بعض الدراسات العلمية الحديثة قد أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك بأن تلك الأساليب في غالبيتها هي ذاتها المستخدمة في عمليات غسيل الأدمغة!
مفارقات
ولكي تكتمل الصورة فإن المؤلف - إزاء ما سبق - يقدم مجموعة من الأساليب التي يركز عليها التعليم الليبرالي، هي في الحقيقة أقرب ما تكون إلى المنهج الذي يقوم عليه التفكير العلمي، من بينها:
1( كشف الفرضيات والأسس ومساءلتها.
2( التفكير بالنتائج غير المرئية للقرارات الأخلاقية والآراء.
3( تحديد التفكير الأعوج وتشخيصه.
4( تقييم الأدلة بعدل وعلى نحو شامل.
5( صياغة الفكرة وقولها بوضوح وتركيز.
6( المشاركة في المناظـرات، وتعلم فن الاستماع دون مقاطعة. 7( النقاش دون شخصنة النزاع.
8( رؤية الموضوعات من وجهة نظر الآخرين.
9( كذلك مساءلة مدى ملائمة الاعتماد على الشعور الفردي، أو التصرف وفقاً له.
يبدو أن المؤلف من خلال ما سبق يروم إلى جعلنا على بينة من المحصلة التي يقودنا إليها كل من التعليم القائم على النموذج «السلطوي» وذاك القائم على النموذج «الليبرالي».
فهو كما يرى، بوسعنا في المجتمع الليبرالي أن نصحح أخطاء بعضنا وبصورة دائمة، بينما في الثقافة السلطوية، لا يصحح السلطة سوى نفسها. ويستعرض المؤلف أمثلة على أطروحته نماذج من التعليم السلطوي في عهد ألمانيا النازية والاتحاد السوفييتي في عهد ستالين، و بول بوت وحركة الخمير الحمر في كمبوديا، وماوتسي تونغ في الصـين.
كانت معالجة المؤلف لتلك النماذج السلطوية - في الحقيقة - نقطة ضعف الكتاب؛ إذ لم تأخذ نصيبها من التحليل الوافي. وعلى الجانب الآخر فإن نموذجي الثورة الثقافية في الصين والخمير الحمر في كمبوديا الذين استشهد بهما المؤلف بوصفهما دلالة على ما ينتهي إليه التيار السلطوي، سيكون من المفارقة أن نجد في أعماقهما بعضاً من التوصيات التي كان قد طرحها المؤلف ذاته حينما شدد على أهمية الحوار العقلي وعدم مركزية القرار.
والقارئ لابد وأن يستذكر عصابة الأربعة ودورها في تفكيك مركزية القرار وفي الثورة الثقافية الصينية، أما تنظيم الخمير الحمر فمن دعمه وأسهم في اشتداد عوده لم يكن سوى دول غربية تتبنى النهج الليبرالي!
في المقابل يسعى المؤلف جاهداً إلى دحض الآراء القائلة بأن الليبرالية في التعليم والتربية تؤدي إلى النسبية والعدمية على المستويين الأخلاقي والديني. ويحذر المؤلف من أن بعض تلاوين التيار الليبرالي يقعون في هذا الشرك، وبخاصة حينما يتعلق الأمر بالأخلاق. إذ يؤكد - كما ذكر سابقاً - أن المنهج الليبرالي يشجع على التفكير النقدي وعلى الاستقلالية الفكرية، وإلى أن ذلك لا يعني اعتناق النسبية أو الانتهاء إلى العدمية، فما يركز عليه النهج الليبرالي هو فحص الأدلة واختبار الادعاءات المختلفة دون الخضوع لسلطة خارجية.
هل الحقيقة للقلة؟
ويلفت المؤلف نظر القارئ إلى أن هناك تيارات أيدولوجية تستمد مقولاتها - كشأن التيار الليبرالي - من منابع فلسفية، ولكنها مع ذلك تتعارض مع مقاربة التيار الليبرالي في التعليم؛ مثل تيار المحافظين الجدد الذي يمثله أستاذ الفلسفة الراحل ليو ستراوس حيث يذهب إلى القول بأن الحقيقة لا يمكن أن يطلع عليها الناس بأجمعهم بل قلة منهم، وكذلك بأن التعليم الديني ضروري من حيث قدرته على تحشيد الناس وتنظيمهم، وبذلك يسير أتباع ستراوس على خطى ميكيافيللي في نصيحته للحاكم بضرورة «أن يكون مستعداً للكذب، والتعذيب، والسرقة، والقتل، والقيام بكل ضروري. ولكن في الوقت نفـسه أن يمثل دور الرحيم، والوفي، والإنساني، وقبل كـل شيء المتدين...» ص 941. وعلى العكس مما يعتقده هؤلاء، فإن المؤلف يرى أن الأمر برمته لا يعد دواء شافٍ للأزمة الأخلاقية.
تشوب الكتاب سلبيات عديدة من بينها، أنه يحفل بالتكرار الممل؛ إذ أن فكرته الرئيسة حول أهمية أن يمارس الأطفال تفكيراً نقدياً كي يفكروا باستقلالية، تكررت في أغلب أجزاء الكتاب، كما أن الاقتباسات المباشرة التي اعتمد عليها المؤلف كانت كبيرة ومتعددة، إلى الدرجة التي بدا معها المؤلف وكأنه يستعرض آراء آخرين عوضاً عن تطوير إشكالية الكتاب. كما لا يمكن فهم عدم رجوع المؤلف إلى بعض أعمال المهتمين بالفكر التربوي وفلسفته كأعمال جان بياجيه وغيره، التي من الصعب تجاوزها في موضوع كهذا. mيسجل للمؤلف مع ذلك أنه قدم عرضاً سلساً للمبادئ التي يقوم عليها كل من التعليم «الليبرالي» و«السلطوي» وآثارهما على الأطفال والمجتمع. ومن جانب آخر فإن استعانته بأمثلة حية من المدارس ومن بعض القضايا السجالية في المجتمعات المختلفة، أسهمت في نزع الملل عن الكتاب، وذلك أمر يحسب لمؤلفه.
The War for children"s Mind
Stephen Law
London, Routledge, 2006, pp. 198