بمعدل شخص واحد كل سبع ثوان، يقتل التدخين حوالي خمسة ملايين شخص سنوياً في العالم. وعلى رغم أن الكثير من المدخنين يدركون الضرر الذي يجلبه التدخين لصحتهم، فإن ذلك لم يقنع معظمهم عن الإقلاع عن هذه العادة القاتلة، ولو تذكر كل مدخن لحظة تناوله سيجارة جديدة الأخطار التي تحملها تلك السيجارة إليه لربما امتنع عنها وما عادت حركة يديه نحو علبة السجائر تلقائية، ولا إرادية.
ويشتمل دخان السيجارة على ما يزيد عن 4000 مركب كيماوي سام، منها 43 مركبا يسبب السرطان، حيث تدخل السموم الجسم من خلال الرئة إلى الدم، وتنتشر بالجسم كله، ولعل استعراض آثار التدخين على الجنسين، وعلى المدخنين، والمحيطين بهم هو وحده الكفيل بتقديم صورة حقيقية عن القتل البطيء الذي تسببه السيجارة لعشاقها... عشق يبدد المال، ويدمر الصحة.
يؤثر التدخين على كافة أعضاء جسم الإنسان، وأجهزته وصحته عامة على النحو التالي:
ـ القلب: إن التدخين يسبب تقلصاً في شرايين القلب، فتصبح أكثر عرضة للانسداد، وهذا بدوره يؤدي إلى خفض كميات الدم الواردة إلى القلب، يبدأ الضرر من تدخين السيجارة الأولى حتى ولو لم «يبلع» المدخن الدخان، إذ أن مادة النيكوتين تذوب في اللعاب وتمتص بواسطة الدم وتسبب تقلصا واضحا في شرايين القلب وباقي شرايين الجسم.
لقد أثبتت الدراسات الطبية على المتطوعين الأصحاء بوساطة تلوين شرايين القلب أن تدخين أقل كمية ممكنة من التبغ يسبب تقلصاً مؤقتاً في قطر الشريان، وأن التدخين المتواصل والمزمن يسبب بالتالي ضيقا في شرايين القلب. ولأن الأطفال والشباب هم أكثر تأثرا بالتدخين من الكبار لأن شرايين قلوبهم تكون أكثر مرونة وتتقلص بقوة أشد، فإن هؤلاء هم الذين يجب أن نحميهم من مضار التدخين بسرعة.
ـ الرئة: على رأس قائمة الأمراض الرئوية التي تصيب المدخنين يأتي سرطان الرئة، وهو أحد أصعب أنواع السرطان في العلاج، فالمواد الكيميائية الخطيرة التي تحتويها السيجارة تتسبب مع مرور الوقت في إصابة أنسجة الرئة بشكل خطير، ومع التعرض المستمر لهذه المواد تحدث الإصابة بسرطان الرئة.
والتدخين كذلك هو السبب الرئيسي لحوالي 09% من أمراض الرئة المزمنة، كانتفاخ الرئة الذي يدمر الحجيرات الهوائية ويؤدي إلى السعال وصعوبة في التنفس، وقد يتطور ذلك إلى نزلات صدرية متكررة، وصفير عند التنفس وفي الحالات المتقدمة يصعب على المريض القيام بأي جهد جسدي.
أثبتت دراسات أجريت على المراهقين أن أمراض الرئة المزمنة قد تنشأ بعد تدخين 5 ـ 01 سجائر في اليوم لمدة عام أو عامين، كما يزيد التدخين من بعض الأمراض الرئوية كالربو مثلا ويجعل إصابة الرشح والتهاب القصبات الحاد أكثر حدة.
ـ الجهاز الهضمي: يؤدي التدخين إلى إضعاف العضلة القابضة الموجودة بين المعدة والمريء، وهو ما يسبب الإحساس بالحموضة، ويضاعف خطر الإصابة بقرح المعدة، بل ويزيد من خطر انتقالها، كما أن التدخين هو السبب الرئيسي لمعظم الأورام السرطانية الخاصة بالجهاز الهضمي.
ـ الفم واللثة والأسنان: إن المصدر الأول لرائحة الفم الكريهة هو أمراض اللثة والتي ينجم الكثير منها عن التدخين، الذي يؤدي أيضاً إلى تسوس الأسنان واصطباغها باللون الأصفر واللثة باللون الداكن، ويؤدي كذلك إلى حدوث تغير في حاستي الشم والتذوق. وتشير الدراسات إلى أن معظم المصابين بسرطان الشفة هم مدخنون. أما أكثر أمراض الفم خطورة والتي يعتبر التدخين سببها الرئيسي فهي سرطانات الفم التي تصيب اللسان، واللثة، واللوزتين والبلعوم.
ـ الدم: المدخنون هم أكثر عرضة لمشاكل الدورة الدموية، وارتفاع ضغط الدم والجلطات، كما يرتفع بينهم معدل الإصابة بسرطان الدم (اللوكيميا).
ـ الجلد: يقلل التدخين من كمية الدم الوارد للجلد، ومن ثم كمية الأكسجين في الأنسجة الموجودة تحت الجلد، فيؤدي إلى ظهور تجاعيد البشرة بصورة مبكرة، كما يصبح التئام الجروح أقل كفاءة ويتطلب وقتاً أطول.
ـ الدماغ: يعيق التدخين عملية وصول الأكسجين إلى الدماغ، مما يهدد بحدوث السكتة الدماغية، وقد أثبتت الدراسات أن المدخنين الذين يصابون بالسكتة الدماغية يزيدون بمعدل 3 أضعاف عن غير المدخنين. كما أن المدخنين الذين يدخنون أكثر من 04 سيجارة في اليوم، يزيد معدل إصابتهم بالسكتة الدماغية بمعدل الضعف عن الذين يدخنون أقل من عشر سجائر يوميا.
ـ العظام والمفاصل: تتمثل آثار التدخين على الجهاز الحركي في خفض كثافة العظام مما يعرضها لخطر الانكسار بسهولة، بل وتأخر التئام العظام المكسورة والجروح، كما يؤدي للإصابة بمرض هشاشة العظام، وآلام أسفل الظهر.
ـ العيون: يرتبط التدخين بالعديد من أمراض العيون مثل مرض «جريفز» الذي يؤدي إلى تضخم الغدة الدرقية، ومن ثم جحوظ العين، والمياه الزرقاء (جلوكوما)، والمياه البيضاء (كتراكت)، كما أن كمية الدم الواردة للعين تنخفض نتيجة للتدخين، مما يتسبب في تغير الشكل والأداء الوظيفي لعدسة العين والشبكية، وقد يتطور الأمر ليصل لفقدان البصر تماماً.
التدخين... سفّاح النساء
يحق لنا أن نطلق على التدخين «سفّاح النساء» لأن المخاطر التي يسببها لوظيفة المرأة الإنجابية تحديداً، وللجنين، وللمولود تفوق الوصف. ويبدو أن السبب الرئيسي لانتشار التدخين بين النساء هو حملات الدعاية القوية التي تشنها شركات التبغ والتي تعطي للمرأة الانطباع بأن التدخين يساعد على انخفاض الوزن، وارتفاع المزاج، إضافة إلى مظهره الاجتماعي «الراقي»، وإعطائه المرأة مظهر الاستقلالية، كما تقوم هذه الشركات بإنتاج أصناف من السجائر خاصة للنساء.
والتدخين عموماً يتسبب في تأخير الحمل وعدم القدرة على الإنجاب، كما يؤدي إلى زيادة نسب الأجنة الميتة عند الولادة، ووفيات حديثي الولادة، والوفاة المفاجئة للأطفال الرضع، وولادة أطفال يقل وزنهم عن المعدل الطبيعي.
وأهم الآثار الضارة للتدخين على الحوامل وأطفالهن ما يلي:
)1( يقلل التدخين من نسبة الإخصاب إلى 05% وذلك نتيجة إيذاء عملية اختزان البويضات، وندرة عملية الإباضة.
)2( حدوث الإجهاض خلال الشهرين الأولين من الحمل أو إسقاط الجنين المتكرر حيث يتضاعف ثلاث مرات.
3( تضاعف الولادات المبكرة مرتين، وتضاعف انفكاك المشيمة الباكر ثلاث مرات، كما يتضاعف الورم الدموي خلف المشيمة أكثر من مرتين، ويتضاعف مرتين ونصف حدوث تأخر نمو الجنين داخل الرحم، ويعد هذا التأثير الأكثر حدوثاً.
)4( ازدياد نسبة وفيات الأجنة قبيل الولادة، حيث يعزي 11% من موت الأجنة للتدخين. كما تنقص قدرة تكيف الوليد مع البيئة عند الولادة، وينقص وزن الوليد بالتناسب مع عدد السجائر المدخنة يوميا.
)5( التأثيرات السلبية على الوليد والرضيع والطفل:
ـ تأثيرات على النمو: التأثير السلبي للتدخين يكون على الطول ومحيط الرأس.
ـ تأثيرات تنفسية: ازدياد نسبة حدوث الأمراض التنفسية، وازدياد نسبة حدوث الربو.
ـ تأثيرات على التطور الروحي الحركي والسلوك والذكاء: تتناقص القدرات الذكائية للطفل، وتظهر صعوبات في عملية الحفظ، كما يصاب بعض الأطفال بفرط الحركة والمشاكسة والفوضى السلوكية. وأظهرت إحدى الدراسات أن خطر الإصابة بالتأخر العقلي يزداد إلى 06% في حالة تدخين الحوامل، ويرتفع إلى 57% إذا زاد عدد السجائر عن 02 في اليوم.
ـ تتضاعف مرتين نسبة حدوث التهابات الجلد التحسسية.
ـ ازدياد نسبة حدوث التهابات الأذن الوسطى.
ـ الموت المفاجئ عند الرضع: تتضاعف نسبة الإصابة إلى ضعفين على الأقل.
وإذا ما تابعت الأم التدخين بعد الولادة، فإنها تعرض طفلها إلى تأثيرات سلبية عديدة، وأهمها:
أـ تأثير سلبي على حليب الأم: فكميته تنقص، وذلك بشكل محسوس إلى 096 مل في اليوم بدلا من 069 مل بدون تدخين، كما أن المواد السمية في الدخان تمر عبر الحليب، وخاصة النيكوتين.
ب ـ تأثير سلبي على الجهاز التنفسي عند الرضيع والطفل: فتزداد نسبة الأمراض التنفسية كالسعال والربو والتهاب القصبات والتهاب الحنجرة.
وهناك تأثيرات أخرى مازالت قيد البحث والدراسة، كالعلاقة بيـــــن ازدياد التدخين عند النساء وارتفاع نسبـــــــة التشويهــــــات عنـــــد المواليـــــد ونسبــــة السرطانــــات عند الأطفال.
العنف والصلع وضعف الذكاء
إضافة لكل المخاطر سالفة الذكر، فقد أثبتت عدة دراسات وجود علاقة للتدخين بظواهر اجتماعية وصحية، ومنها:
ـ العنف العائلي: لقد أفادت دراسة أعدتها جامعة واشنطن في سياتل (شمال غرب الولايات المتحدة)، أن الأطفال الذين يعيشون في عائلات يتبادل أفرادها العنف الكلامي والجسدي يوجهون احتمالات أكثر من غيرهم للتدخين لاحقا.
وجاء في الدراسة التي أعدت على مدى 53 عاما، أن احتمال التدخين يزيد بنسبة 42% لدى النساء اللواتي ترعرعن في كنف عائلة تشهد عنفا كلاميا، بينما ترتفع هذه النسبة إلى 82% لدى الرجال الذين أمضوا طفولتهم في عائلات يحصل فيها عنف جسدي. وقالت الدراسة أن احتمال التدخين لدى الأشخاص الذين يقطنون المدن يزيد بنسبة 14% مقارنة مع الأشخاص المقيمين في الريف، في حين أن الأشخاص المتدينين لديهم ميل أقل إلى التدخين.
ـ ضعف الذكاء عند الكبر: حذر باحثون بريطانيون وإسبان من أن التدخين في سن متأخرة قد يضعف ذكاء المسنين، وأوضحت دراسة أجريت على مدى عام على أكثر من 056 مسنا في لندن، أن ضعف الذكاء تزيد بأربعة أمثال عند المدخنين عنها عند غير المدخنين، أو من أقلعوا عن التدخين.
ـ الصلع: اكتشفت إحدى الدراسات أن التدخين له تأثير أيضاً على تساقط الشعر، فالنيكوتين يسرع بالصلع الذي يصيب الكثيرين. حيث ثبت أن 57% من الرجال المصابين بالصلع ممن تتراوح أعمارهم بين 12ـ22 عاما كانوا من المدخنين، وأن معظمهم كانوا قد بدأوا بالتدخين وهم في سن الرابعة عشرة أو الخامسة عشرة، برغم العوامل الوراثية للصلع فإن المدخنين يفقدون شعرهم بأسرع مما يفقده غير المدخنين.
غير المدخنين في دائرة الخطر
إن أضرار التدخين لا تصيب المدخنين فحسب، بل وكل المحيطين بهم من أطفال وشباب ورجال وشيوخ، ذكورا وإناثا، فالتدخين السلبي أو الثانوي الذي ينتج عن زفير المدخنين بعد شربه إحدى منتجات التبغ وعن احتراق ا لمنتج نفسه، له مخاطر جمة. فهو مصدر هام لملوثات هواء الأماكن المغلقة، وتعرض الأم الحامل غير المدخنة له تسبب حالة وفاة مفاجئة للطفل الرضيع فيما بعد، ويتسبب أيضاً في ولادة طفل أقل من الوزن الطبيعي وفي إصابة ذلك المولود بقصور في وظائف الرئة.
أما على صعيد الأطفال فإن استنشاقهم لدخان التبغ، يصيب بعضهم بمرض الربو، وبالتهابات الشعب الهوائية والرئة والأذن الوسطى، بالإضافة إلى تعريض الطفل للإصابة بأمراض القلب حين يكبر وللضعف العصبي السلوكي. ويظهر ضرر التدخين الثانوي على المصابين بأمراض القلب أو الرئة المزمنة، فهو يسمم عضلة القلب، ويؤدي إلى قصور الأوعية الدموية في أداء وظيفتها من أجل ضبط ضغط الدم وجريان الدماء بها، بالإضافة إلى التسبب في تجلط الدم وفي تراكم المواد التي تسد الأوعية الدموية، وبالتالي حدوث ما يعرف بالأزمة القلبية، ويؤدي كل ذلك إلى وفيات بسبب أمراض القلب الناتجة عن التعرض للدخان الثانوي تزيد 51 مرة عن الوفيات بسبب سرطان الرئة للسبب نفسه. وعند تعرض شخص يلبس العدسات اللاصقة لدخان التبغ فإنه يصاب بحرقان شديد وإفراز للدموع، وقد ثبت ذلك على كثير من هؤلاء الأشخاص مستخدمي العدسات اللاصقة، إن كل هذه الأضرار التي تصيب المدخنين والمحيطين بهم هي جزء يسير من الدمار الذي يحدثه التدخين بالصحة، ولذلك فإن ابتعاد المدخن عن التدخين هو حماية لصحته وصحة من حوله، والفرصة مازالت بين يديه لترك التدخين، فإما التدخين أو الصحة.
أهم المصادر:
ـ موقع منظمة الصحة العالمية على شبكة الإنترنت.
ـ موقع إسلام أون لاين على شبكة الإنترنت.
ـ حسام أبوجبارة: التدخين أو الصحة... الخيار لك، دراسة غير منشورة 2000.
ـ أعداد مختلفة من مجلات: «العربي»، «الفيصل» «البيئة والتنمية» وصحيفة «البيان» الإماراتية.
ـ نشرات مختلفة من إصدار اتحاد لجان الإغاثة الطبية الفلسطينية.