الحقّ في الإعلام ـ ما هو؟وما هي الوسائل التي تؤثر عليه إيجابا؟ وما هي المعوقات التي تعترض طريق المعرفة أمام كل إنسان عربي من أن يتمكن من المعرفة الإعلامية والمعلومات وأن يتمتع بحرية الوصول إلى ما يريد معرفته ـ سواء كان هذا الإنسان عاديا أو ما يطلق عليه «رجل الشارع» أم محترف الإعلام؟ وكيف يمكن التوازن بين الضوابط الأخلاقية في عالمنا العربي وحريّة الرأي والتعبيرالمكفولة للناس؟ أين يقف المواطن العربي «أخلاقيا وإعلاميا» من هذه التقنيّة في عصرنا الحالي؟ بل أين نقف نحن العرب من هذه الثورة الإعلامية؟
بعد الحرب العالمية الثانية عام 1948 جاء إعلان حقوق الإنسان ومن هذا الإعلان فرضت على الدول حماية هذه الحقوق، ونمّت لدى الشعوب نزعات قويّة تجاهها وضمن تلك الحقوق كان الحق في المعرفة والمعلومات والإعلام.ولكن وبعد ستين عاما على ذلك الإعلان لم تسلم حريّة الرأي والتعبير من التشويه.فالدول التي بلورت فكرة الإعلان ربما تستعمل الإعلام لبث الترهيب، وذلك تحت عناوين كبيرة مثل «الأمن القومي»، ووسائل الإعلام تحوّلت إلى أدوات تابعة للسياسة والمال في توجيه منظّم لعقلية الناس مستغلة جوعهم الشديد تجاه المعرفة والبحث عن الحقيقة. بل إن تجارة الرقّ التي يمنعها إعلان حقوق الإنسان، حوّلها الإعلام ـ صاحب المصدر الأول الآن للمعلومات ـ إلى سياحة جنسية بلا حواجز! وكما عبر أحد منظري الإعلام بالجامعة اللبنانية في دراسة حول المشكلة معتبرا أن الظاهرة الراهنة ـ ظاهرة الإعلام الخالي من الإعلام الصادق ـ جعلت من سلطة السياسة وسلطة المال إضافة إلى سلطة الذكاء وسلطة الإعلام، جعلت من كل هذه السلطات الأربع كتلة واحدة ضد المتلقي الذي تحول إلى نوعيتين لا ثالث لهما: النوعية الأولى تضم الإنسان الذي تنقل إليه معلومات صحيحة فيمكن أن نطلق عليه صفة «المواطن»، والنوعية الثانية التي تضم ذلك الإنسان أيضا ولكنه من تنقل إليه معلومات خاطئة فيمكن أن نطلق عليه صفة «التابع»! والأدلّة على هذا الانحراف في الإعلام تبدو جليّة ولاسيّما في الزوايا التي بات ينظر منها إلى الحدث. فالزاوية الإنسانيّة، بدأ ينحسر اتباعها أمام مقتضيات التشويق والترفيه والرغبة. ومن هذا المنطلق، فلا نقل لمشاعر الحزن بنفس حقيقيتها أو حتى تعابيرها، ولا نقل للحدث دون صبغة أيديولوجية.
والنتيجة هي أن يتحول المواطن العربي إلى مجرد " تابع" أمين! ويتحول الحق في الإعلام من حرب قادتها حقوق الإنسان لأجل الحق في الإعلام إلى حرب من الإعلام نفسه على هذا الإنسان!
الإعلام والتقنية
الحق في الإعلام والتقنيّة، والتي تعني الوسيلة الإعلامية، علاقة وطيدة بل مصيرية.. فالحق في الإعلام أي الحق في المعرفة والمعلومات والحقيقة، هو حقّ كلّي جامع، لا يتجزّأ. وهنا لا يجوز أن نفصل بين الحقّ الأدبي وهو الحصول على المعلومة، والحقّ في استخدام الوسائل الإعلاميّة. وكما يقول المفكر الكبير في الإعلام والإتصال «مارشال ماك لوهان» مقولته الشهيرة: «الرسالة «الإعلامية» هي الوسيلة»
The Message Is The Media، فالعلاقة بين الإعلام والوسيلة، تتأثر ببعضها، ونحن نعتقد أن مارشال ماكلوهان نفسه لم يكن يتخيل أن مقولته هذه سوف تتحقق بهذا الشكل المذهل في مرحلتنا الزمنية هذه. فالوسيلة الإعلامية صارت هي كل شئ فهي الوسيلة وهي الغاية في حد ذاتها، فالكل ـ على سبيل المثال ـ في بلاد العرب يريد امتلاك فضائية خاصة، بغض النظر عن اعتبارات أخرى كثيرة مهنيا وإنسانيا! وأصبح المشاهد نفسه مغرقا وهائما في بحور الظلمات «مع أنها وسائل إعلام!» سابحا وتائها في خضم متلاطم من القنوات والجرائد ووسائل الإعلام الأخرى! وصار الهدف لدى الجميع ـ تقريبا ـ هو مجرد التمتع بالوسيلة الإعلامية، حيث إبهار العين أو الأذن أو كليهما معا. وصار الموبايل أو النقال نفسه ـ كوسيلة إعلامية آتية باكتساح ـ هدفا في حد ذاته، والإمكانات التقنية التي فيه هدفا في حد ذاته! دون أن يسأل أحد نفسه: ماذا سأحتاج تحديدا من هذه الوسيلة أو تلك؟ فقط الامتلاك لهذه أو تلك، بل السعي المحموم لامتلاك المزيد والأكثر تطورا في الإمكانات.
ولكننا إذا تأملنا مسيرة تطور الوسائل الإعلامية على مدار القرون الخمسة الماضية وبدايات الألفية الجديدة التي نعاصرها نجد أن وسائل الإعلام الجديدة تتراكم في عالم الاتصال بطريقة تؤثّر فيها على سابقاتها دون أن تلغيها. فالراديو لم يلغ الكتاب، كما أن التلفزيون لم يحلّ محلّ الراديو، بل حتى الانترنت التي فازت بخواص فريدة ميّزتها عن غيرها من الوسائل لم تستطع حتى الآن إلغاء وسائل الإعلام التي سبقتها بل صارت شبه خادمة لها! فالكتاب أول وسيلة إعلامية صار يستفيد كل الاستفادة من شبكة الانترنت من حيث الترويج له وفتح نوافذ أكثر اتساعاً له. والإذاعة صارت تصل إلى المزيد من جمهورها.. وكذا التلفزيون صار مسيطرا على كثير من مواقع الانترنت.. والموبايل صار في حالة عاطفية مع شبكة الانترنت، وهو المرشّح بقوة ليصبح الجامع لكلّ هذه الوسائل.
واقع جديد
إن هذا الواقع الجديد الذي يكرس للعلاقة بين الإعلام والتقنية والتطور في وسائل الإعلام نجده يمثل حالة من «حرية التكنولوجيا» أي حرية امتلاك التقنية الإعلامية فأنت لا تملك المعلومة عندما لا تملك الوسيلة.. ولكن متى يتحول إلى ما يمكن أن يسمى بـ«تكنولوجيا الحريّة»، أي ما تؤدي إليه التكنولوجيا والتقنية الإعلامية إلى نوع من «التحرر» من سيطرة البوق الواحد والطبلة الواحدة والحزب المرئي الواحد؟ في الحالة الأولى من «حرية التكنولوجيا» نجد لها أمثلة عديدة في حياتنا اليومية عربيا وعالميا.وربما تتجسد أكثر في أحدث النماذج أو الوسائل إعلامية ألا وهو الموبايل. فلقد أصبح
الموبايل المرشح الأوفر حظا ليصبح الجامع لكلّ الوسائل الإعلاميّة عبر إمكانيّة إرسال الصور والأفلام وغيرها وعبر إمكانيّة مشاهدة التلفزيون والاستماع إلى الراديو والعمل على الشبكة من خلال تقنياته الحديثة، وعبر إتاحته فرصة المشاركة للمواطنين في البرامج الحواريّة ولاسيّما من خلال الرسائل الصغيرة.
وعلى سبيل المثال لا الحصر، أقامت مصر، وللسنة الثانية على التوالي، مهرجان الأفلام السينمائيّة على الموبايل نظرا للأهميّة التي يكتسبها الهاتف النقال، في وقت بلغ حجم الرسائل الصغيرة SMS للعام 2005 في إحدى الدول الخليجيّة 730 مليون رسالة، أما حجم العائدات جراء هذا النوع من الرسائل فقد بلغ للعام نفسه 5 مليار دولار.
وأما فيما يخص الحالة الثانية الناتجة ـ أو التي يجب أو من المفترض أن تنتج ـ عن العلاقة الوطيدة بين الحق في المعرفة والتقنية أو حرية التكنولوجيا، فهي الحالة الأكثر إنسانية وهي التي نحتاجها جميعا في منطقتنا العربية ألا وهي الانتقال من مجرد «حرية التكنولوجيا» إلى «تكنولوجيا الحرية».
وما أصعب الوصول إلى تلك الحالة التي سبقتنا إليها جهات أخرى ولو بدرجات متفاوتة أو حتى بدرجات نسبية ولكن الغريب والمثير في هذه الحالة من الحق في «تكنولوجيا الحرية» أنها صارت رويدا رويدا تتسلل من الأسوار العالية المفروضة..
ومن علامات هذا التسلل أن التقنية الإعلاميّة قد تمكّنت بالفعل من الانتصار على الجهات الرسمية، فقد تخطّت كل الحدود والسدود والحواجز، فلا موانع داخلية أو خارجيّة تستطيع أن تعيق تنقّلها، لا بل يمكن القول أنها تمكّنت من السلطة التي بدأت تتآكل في أكثر المناطق تسلطا بفعل هذا الانفتاح الذي حققته التقنية الإعلاميّة فقد باتت المعلومة بيد الجميع.. كما أدى ذلك إلى ظهور اتجاهات جديدة في حرية التعبير عن الرأي، فلم تعد القنوات الرسمية فقط هي منافذ التعبير عن الرأي أو تكنولوجيا الحرية بل صارت هناك النوافذ مفتوحة لكل من شاء أن يقول أي شئ في أي موضوع في أي مكان!
مراهقة تقنية
ولكن لأننا حديثي العهد بتلك الثورة التقنية الإعلامية صرنا نعاني ما يمكن أن نسميه: «المراهقة التقنية».. فنحن نعيش حالة من المراهقة التقنية، نحتاج بعدها إلى نوع من النضوج الإعلامي التقني.. والشواهد أمامنا كثيرة والتي تعبر عن هذه المراهقــــة الإعلامية التقنيـــة، من مشاكل اجتماعية وأخلاقية في استخدام تقنية البلوتوث في الموبايــــلات إلى كم الشتائم الذي يملأ مواقع على شبكة الإنترنت إلى امتلاء شاشات قنواتنا الفضائية الخاصة الغنائية منها أو حتى السياسية بالفساد الأخلاقي أو حتى الجسدي.
وكأن المسألة تتطلّب المزيد من الوقت لاستعمال التقنيات بشكل إنساني متحضر.. ولذلك سيبقى السؤال: متى نصل إلى مرحلة النضج في استخدام الحق في الإعلام والمعلومات والمعرفة؟.