على الرغم من تاريخها الطويل الذي يعود إلى ستينيات القرن الماضي، وعلى الرغم من تعدد محطاتها التي تتجاوز عشر المحطات مابين عربية وأجنبية ومتخصصة (البرنامج العام والثاني ومحطتي الغناء العربي الـ إف - إم القديمة والجديدة والقرآن الكريم والمحطات الناطقة باللغات الأجنبية الانجليزية والفلبينية والأوردو والفارسية) إلا أن السؤال حول ما إذا كانت إذاعة الكويت الرسمية مازالت محتفظة بمكانتها وجمهورها واحتمال نجاح الإذاعات الخاصة في سحب البساط من تحتها بات مشروعا اليوم ليس فقط لتعدد تلك الإذاعات وتنوعها على الساحة، وإنما لأهمية الكشف عن مدى قدرة إذاعة الكويت على مواكبة هذه التطورات والدخول مجال المنافسة بقوة وجدارة... صحيح أنه ليس هناك إحصائيات دقيقة لقياس ذلك، لكن استطلاع آراء شخصيات عاملة في المجال الإعلامي وبعض الشخصيات العامة قد يلقي الضوء على هذه القضية ويكشف إلى حد كبير نقاط قوة وضعف الإذاعة الحكومية في الوقت الراهن الذي تزداد فيه التحديات والرهان على دور الإعلام في صنع الرأي العام...
«الكويت» كان لها بعض اللقاءات مع المهتمين وذوي الاختصاص وخرجت بهذا الاستطلاع ...
أشار أستاذ الإعلام في جامعة الكويت الدكتور مناور الراجحي بداية إلى أن فترة الاستماع للإذاعات في الكويت محدودة وتكاد تقتصر على فترة الوجود في السيارة وخاصة في الصباح أثناء فترة الانتقال للعمل، مضيفا لهذا السبب «لا يوجد تأثير ملموس للإذاعة على الناس كتأثير الفضائيات والصحافة الإلكترونية» واسترجع الراجحي بدايات إنشاء الإذاعة الرسمية في الكويت قائلا: «البث الإذاعي في الكويت كان بمجهود شعبي حاله حال الصحافة والتلفزيون، وأول بث لإذاعة الكويت كان في مايو 1951 بمبادرة من مبارك الميال الذي أشار على الشيخ عبد الله المبارك ـ رحمه الله ـ الذي كان مديرا للأمن آنذاك باستخدام جهاز لاسلكي صغير للإشارات اللاسلكية العسكرية في الجيش للبث الإذاعي لأهداف أمنية واستمر هذا البث حتى الستينات، وبعد أن هدأت الأمور بعد الحرب العالمية الثانية واطمأن الجميع على الوضع الأمني أذيعت أول نشرة أخبار في الإذاعة في بداية الستينات تزامنا مع استقلال الكويت الذي أعلن عبر الإذاعة إلى كافة أنحاء العالم العربي... ومع انطلاقتها منذ ذلك التاريخ استطاعت إذاعة الكويت أن تستقطب أصوات كبار المحللين السياسيين والمثقفين العرب إضافة إلى الفنانين الكبار مثل أم كلثوم، وعبد الحليم حافظ وطلال مداح ومحمد عبده «وأبو بكر سالم...» ولهذا تجذرت في وجدان مستمعيها حتى أيامنا هذه حيث لا يزال كثير من المستمعين يحرصون على متابعة برنامج «مراحب» الصباحي مثلا الذي يستقطب مشاركات وتحليلات من كافة أنحاء العالم».
ويعرب الدكتور الراجحي عن رأيه بأن إذاعة الكويت ما زالت أفضل من التلفزيون على مستوى البرامج الثقافية والسياسية من حيث الطرح والجرأة ما يجعلها محتفظة بمكانتها ووجودها وبعيدة عن منافسة الإذاعات الخاصة، «لأن أي مشروع إعلامي أهلي يسعى للربح ومجال الربح في الإذاعات محدود جدا مما يدفع المستثمرين إلى الفضائيات التي تدر أرباحا طائلة ليس عبر الإعلانات المصورة فقط وإنما عبر الرسائل النصية القصيرة»... ويختم الدكتور الراجحي بالقول «مازالت إذاعة الكويت إذاعة متميزة ولها مستمعوها حتى خارج حدودها الجغرافية من خلال برامجها المتنوعة والجادة»
رئة المواطنين
ويشير الروائي والكاتب المسرحي الدكتور سليمان الحزامي إلى أنه على مستوى الكويت فإن الإذاعات الخاصة ليست واضحة المعالم ويرى أنها إذاعات ترفيهية وليست معلوماتية أو تثقيفية ويقول «أنا شخصيا ضد هذه الإذاعات وكنت أتمنى أن توجد إذاعات خاصة تقدم برامج ثقافية وعلمية» ويتهم الدكتور الحزامى الإذاعات الخاصة الموجودة بأنها تعمل على تدني مستوى الذوق العام لدى الناس من خلال ماتبثه من أغان هابطة ومعلومات مغلوطة وحتى طريقة التقديم التي تفتقد إلى أخلاقيات الرسالة الإعلامية الهادفة بخلاف ما تلتزم به إذاعة الكويت منذ إنشائها وحتى الآن ويؤكد أن الإذاعات الخاصة - مع الأسف - لا تؤدي دورها كما يجب مضيفا أن إذاعة الكويت تبقى في مقدمة الإذاعات العربية من حيث المنهج الثقافي والإخباري والمصداقية والأخلاقيات العامة للمجتمع على عكس الإذاعات الخاصة التي تعتمد على الميوعة في التقديم وفي مخاطبة المتلقي إضافة إلى إثارة الفضائح الاجتماعية للفنانين والفنانات لجذب فئة الشباب الذين غالبا ما يتأثرون بالفنانين ويكونون قدوة لهم» ويخلص الحزامي إلى القول بأن الإذاعات الخاصة ربما نجحت في استقطاب نسبة معينة من الشباب والمستمعين الذين يميلون إلى إضاعة الوقت بالثرثرة والترفيه السطحي ولا يسعون إلى المعلومة المفيدة ولا إلى تطوير ثقافتهم، لكنها لم تستطع أن تزيح مكانة الإذاعة الرسمية التي تقوم بدور الرئة التي يتنفس من خلالها المواطنون باعتبارها تطرح مشاكلهم وقضاياهم بصراحة ومصداقية وموضوعية.
مكانك راوح
الممثل الإذاعي والتلفزيوني عمر اليعقوب كان له رأي مختلف إذ يرى بأن الإذاعات الخاصة استطاعت أن تسحب البساط من تحت الإذاعة الحكومية منذ زمن طويل والسبب تنوع برامجها في الوقت الذي مازالت فيه الإذاعة الرسمية تراوح في مكانها مشيرا إلى أنها لم تتطور ولم تتراجع عما كانت عليه منذ نشأتها مما جعل الإذاعات الخاصة تستقطب جمهورها ومستمعيها، ويضيف أن البرامج الإذاعية وحتى نظام المكافآت للعاملين فيها مازال كما هو منذ عام 1986 ولم يطرأ عليه أي تطورات كما لم تطرأ أية تعديلات لتحسين توقيت البرامج الإذاعية الأساسية «التي تعتبر القلب النابض للإذاعة» ولا على توقيت السهرات الإذاعية التي لم تشهد أيضا تطورا على صعيد النقل الخارجي والتحاور مع الإذاعات الخارجية الأخرى وخصوصا الخليجية منها، وعلى صعيد إنتاج البرامج الدرامية الإذاعية يقول إنه انخفض إلى أدنى مستوياته ويكاد يقتصر على برامج منوعة لشهر رمضان والمناسبات الخاصة فضلا عن تدني أجور الممثلين وتفاوتها قياسا بأجورهم في الإذاعات الخاصة مما دفعهم للعزوف عن العمل فيها أو في أحسن الأحوال أدى إلى انعدام الحافز للتطوير والتجديد لديهم.
ثقافة «الكهنوت»
المنتج الإذاعي والتلفزيوني جاسم الغريب يرى أن الإذاعات الخاصة استطاعت أن تنافس الإذاعة الرسمية بشدة ويعزو ذلك إلى القيود التي مازالت الإذاعة الحكومية تخضع لها قياسا بالحرية الممنوحة للإعلام الخاص بشكل عام ، إضافة إلى افتقادها للتخطيط السليم وللكوادر المؤهلة والمدربة جيدا ويقول: «الكثير من الكفاءات العاملة في الإذاعات الحكومية لم تعط الفرصة لإثبات وجودها ولذلك نراها تنجح عندما تنتقل من الإعلام الرسمي إلى الخاص» ويضيف أن الإذاعات الخاصة مثل سوا والـ بي.بي.سي استطاعت أن تسحب البساط من تحت البرنامج العام وخصوصا في مجال المادة الخبرية مشيرا إلى أن السبب يعود إلى التحرر الكبير من الرقابة الذي يشهده الإعلام الآن والانفتاح الهائل الذي ألغى جميع الحواجز التي كانت تقف في وجه تدفق المعلومات في العالم مما جعل المنافسة شديدة مؤكدا أن هذا ما كان يجب أن تنتبه إليه الإذاعة الرسمية كي تستطيع مواكبة الواقع والمحافظة على مستمعيها، ويقول: الإذاعات الحكومية ليست لديها الجرأة مثلا على طرح ومناقشة قضايا الدولة الحساسة، على عكس الوضع في الإذاعات الخاصة، وهذا الوضع موجود في معظم محطات الدول العربية وليس في الكويت حسب، كما أن ترتيب الأخبار لا يأتي وفقا لأهمية الخبر بل لاعتبارات أخرى، وهناك حساسيات سياسية شديدة لدى الإذاعات الرسمية عند تداول الأخبار المحلية للدول العربية الأخرى، ويضاف إلى كل ذلك أن الإذاعات الرسمية تفتقر إلى مراكز دراسات إعلامية تساعد صاحب القرار على تقويم السياسة الإعلامية بشكل عام وحتى إن وجدت فلا يعتمد عليها وختم الغريب بالقول. ليست هناك إحصائيات رسمية تقيس مستوى الاستماع إلى الإذاعات الرسمية والخاصة ولكن من خلال المعايشة اليومية نستطيع القول إن الإذاعات الخاصة استطاعت أن تستقطب فئة الشباب بشكل كبير
الذكريات الجميلة
أما الفنان التشكيلي عادل المشعل فهو يؤكد أن الإذاعة الحكومية في الكويت مازالت لها جمهورها ولاتزال تتمتع بمكانتها المميزة «بدليل أنها فازت بالمرتبة الأولى على صعيد الإذاعات العربية في مهرجان القاهرة قبل ثلاث سنوات، ومازالت برامجها تحظى بمراكز متقدمة في المهرجانات العربية» ويضيف: الإذاعة الرسمية تبقى الأساس لما تتمتع به من مصداقية في طرح القضايا الجادة التي تهم المواطن في شتى المجالات وإفساح المجال لهم للإدلاء بآرائهم حولها في حين أن الإذاعات الخاصة تعتمد على الأغاني والدعايات. ولفت المشعل إلى أن الإذاعة الرسمية في الكويت تقدم مواد أرشيفية نادرة ومحطة الغناء القديم تقدم أغاني قديمة تعيد المستمع إلى ذكرياته الجميلة ولا يستطيع الاستماع إليها إلا عبر هذه المحطة لأنها لم تعد متوفرة في الأسواق وقال: إن الشباب الذين يدمنون الاستماع إلى الإذاعات الخاصة يعانون من الفراغ الفكري.
مدرسة رصينة
وتوافقه المذيعة الفنانة حنان الصالح الرأي بأن الإذاعة الرسمية تبقى الأساس وهي التي سوف تستمر لعدة عوامل أهمها الرسالة الهادفة التي تحملها والتي تعمل بموجبها على إرضاء كافة الأذواق وجميع التوجهات والمعتقدات بحيادية وموضوعية على عكس الإذاعات الخاصة التي تعتمد على الإثارة ومنطق «خالف تعرف» لجذب المستمعين «فضلا عن أنها تعمل وفقا لتوجهات أو تيارات معينة، وفي بعض الأحيان تثير قضايا قد يكون لها تداعيات سيئة بحجة الديمقراطية».
وأوضحت الصالح أن المذيعة في الإذاعة الرسمية تحظى بالأمان من قبل المسؤولين وتحتفظ بصورتها المحترمة كواجهة إعلامية في الداخل والخارج ولا تتعرض لمواقف محرجة كالتي يمكن أن تتعرض لها في الإذاعة الخاصة وتؤكد أن لهذه الأسباب لا يمكن أن تسحب الإذاعات الخاصة البساط من تحت الإذاعة الحكومية التي تبقى مدرسة رصينة لجميع الإعلاميين.
ضرورة الخصخصة
المحامي إبراهيم الكندري يرى أن الإذاعات الخاصة نجحت إلى حد ما في استقطاب شريحة كبيرة من المستمعين نظرا لتنوع برامجها، لكنه يعود ويضيف: إلا أنه بالنسبة للمضمون فإن الإذاعات الخاصة - مع الأسف - تعتمد على برامج سطحية بل حتى على معلومات خاطئة فضلا عن ابتعادها عن اللغة الفصحى وأصول القواعد الصحيحة، وحتى عن اللياقة في مخاطبة المتلقي.
ويرى الكندري أن الإذاعة الحكومية تحتاج مع ذلك إلى التركيز على تدريب المذيعين والمذيعات بشكل آخر يواكب مستجدات العصر ويجذب المستمعين وبنفس الوقت يرى أنه بات من الضرورة الآن بمكان القيام بخصخصة الإذاعة والتلفزيــــون وتحررهما من بوتقـــــة وزارة الإعـــــلام مما يتيح أمامهما المجال لدخول معترك المنافسة بحرية.