ارتبط اسمه في ذاكرتي بشهر رمضان المبارك، حيث كانت إذاعة القاهرة رفيقة دائمة لأسماعنا خلال الشهر الكريم وخصوصاً في فترة «السحور» وحين كان صوت «المسحر» ينطلق في أعماق ليل قريتنا الجميلة.. كان صوت الفنان الراحل سيد مكاوي ينطلق في اللحظة ذاتها عبر أثير إذاعة القاهرة... مرددا «ياصايم وحد الدايم» فيمتزج الغناء الإذاعي الشجي بالغناء الميداني في شوارع القرية وحاراتها، وحين يقترب من بوابة بيتنا الخارجية ويقرع بعصاه حديدها... نكون قد سبقناه إلى الاستيقاظ... ليغيب صوته تدريجياً ويغرق في الصدى حتى يهزم إحداهما الآخر... ثم لا يلبث سيد مكاوي أن يحمل طبلته ويغادر أسماعنا... فيعم الصمت قبل أن تبدأ رحلة إذاعية جديدة عبر صوت رخيم وجميل وقوي هو صوت المذيع الراحل محمد الطوخي وهو يعلن عن مسلسل رمضاني يومي بعنوان «أحسن القصص» مفتتحاً إعلانه بآية كريمة من القرآن الكريم «نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن».. فيتردد صدى صوته في أنحاء الغرفة التي تجمع العائلة حول مائدة السحور... ومن ثم تبدأ القصة فصولها عبر أصوات جميلة الأداء والإلقاء والإحساس بالكلمة المنتقاة بدقة لتحمل المعنى المراد توصيله من خلالها إلى الناس.
(ع. ز)
طوال شهر رمضان كان والدي يحرص على متابعة هذا المسلسل الإذاعي ـ الديني المشغول بعناية، حيث يتطرق إلى قضايانا الكبيرة الوطنية والقومية والتاريخية بأسلوب حضاري من خلال نص درامي يتمتع بكل مواصفات الدراما الحقة، والذي أصبح رفيقنا على مدى سنوات طويلة ورسخ في ذاكرتي ـ على الأقل ـ مجموعة من الأسماء في مقدمتها كاتب النص محمد علي ماهر... الذي التقيته في الكويت بعد ذلك بسنوات طويلة.
كانت إذاعة الكويت قد استدعت الكاتب ليقدم عمله من إذاعة دولة الكويت في شهر رمضان من كل عام تحت عنوان جديد هو «أمة القرآن» كما كانت تستضيف مجموعة كبيرة من الممثلين المصريين الذين يشاركون في المسلسل منذ بدايته... ومن أبرزهم الراحلة أمينة رزق للقيام بتمثيل أدوارهم الإذاعية بمشاركة عدد كبير من الممثلين الكويتيين من بينهم أحمد الصالح وغانم الصالح وعلي المفيدي وغيرهم.
وقد حظي المسلسل بكثير من النجاح في زمن كانت فيه الإذاعة ـ لاتزال ـ تحتل أسماع الناس واهتماماتهم ويومياتهم... أكثر من التليفزيون الذي كان يوقف بثه مبكراً كل ليلة.
أمة القرآن
أصبح برنامج «أمة القرآن» سنة بعد أخرى أحد أهم البرامج الإذاعية في تاريخ إذاعة الكويت وظل كذلك لسنوات طويلة قبل أن يعود الكاتب محمد علي ماهر إلى القاهرة بسبب المرض في عام 1987 من أجل إجراء جراحة دقيقة له ثم ما لبث أن فارق الحياة في أواخر عام 89.
وبغياب محمد علي ماهر غابت الدراما الإسلامية الإذاعية المميزة التي ابتدع أسلوبها وصيغها لغة ومضمونا وقيما غنية.. عكس من خلالها آلام وأحلام وواقع الأمتين الإسلامية والعربية في صراعهما ضد أعدائهما وخصوصاً العدو الصهيوني.
هموم وقضايا
كان الكاتب محمد علي ماهر مسكوناً بهموم أمته وقضاياها وكان يحاول عبر برامجه الإذاعية توصيل أفكاره ورؤاه إلى الناس، وكان حريصاً على أن تصل كلمته إلى من يهمه أمر أمتنا العربية التي دخلت في صراع وجود مع العدو الإسرائيلي منذ وعد بلفور حتى اليوم... وقد تعامل مع قصص القرآن كينبوع لا ينضب من العطاء، وأعاد الحياة إلى الكثير من القيم الإنسانية والدينية التي كانت قد بدأت تغيب أو تختفي خلف ستار المدنية المزيفة.
استلهام التراث
قدم محمد علي ماهر لإذاعة الكويت على مدى عشر سنوات برامج عديدة إلى جانب «أمة القرآن» من بينها مسلسل خاص عن جمال الدين الأفغاني ووظف من خلاله التراث الإنساني ـ الإسلامي بصورة إبداعية لا مثيل لها واستطاع الكاتب أن يستهلم التراث من خلال فهمه العميق للقرآن تفسيراً وقراءة... كما قام بعمل دورات إذاعية خاصة لتدريب كوادر من المذيعين الجدد على النطق السليم للغة العربية ومخارج حروفها... إلى جانب تثقيف هذه المواهب ثقافة إسلامية قرآنية شاملة لتكون أكثر قدرة على ممارسة العمل الإعلامي الذي لابد وأن يرتكز على مقومات أساسية في مقدمتها إتقان اللغة العربية بالقول وبالفعل.
استغراب وإعجاب
في تلك المرحلة كانت تجربة كتابة الدراما الإسلامية تثير استغراب البعض على اعتبار أن الدين الإسلامي ليس مبنياً على الصراع وإنما على الحجة والإقناع، لكنهم بعد الاستماع إلى المسلسل ما لبث هذا الاستغراب أن تحول إلى إعجاب بتلك القدرة المميزة على خلق صراع درامي من خلال قصص القرآن الكريم، وأعتقد أن محمد علي ماهر - رحمه الله - كان أول من كتب الدراما الإسلامية بهذا المعنى وأول من وظف التراث الإسلامي لخدمة قضايانا المعاصرة وفي مقدمتها قضية فلسطين.. التي كانت تعنيه كثيراً خصوصاً وأنه كان يفند ادعاءات اليهود وأكاذيبهم بالحجج القرآنية غير الخاضعة للتأويل أو النقاش، وكان يشعر بالفخر لأنه يقول ما يريد أن يقوله عبر مسلسل «أمة القرآن» التي يبدو أنها كانت على وشك أن تنسى قيمها في غفلة من الزمن.
لم يأخذ حقه
كان الكاتب الراحل محمد علي ماهر يعتقد أنه وجد في الزمن الخطأ لأنه لم يأخذ حقه من التكريم في حياته وحتى بعد مماته وكان يشعر في قرارة نفسه بغصة لأن بلده ـ مصر ـ ما قدرته حق قدره... وكان يردد بينه وبين نفسه:
«أضاعوني وأي فتى أضاعوا».
رحم الله محمد علي ماهر، كاتبا مبدعا وإنسانا صادقا، مؤمنا بعروبته وبأمته وبقضـــايا وطنه العربــــي الكبير.