مسكينة كل أسرة تملك «تليفزيون» وكلنا نملكه بالتأكيد.. بعد أن صار هو الآمر الناهي بسبب الأطفال فهم الذين يتحكمون فيما يراه الكبار على الشاشة الصغيرة! اللهم إلا إذا كان لكل فرد في الأسرة تليفزيون خاص به! وحتى في هذه الحالة فإن الأسرة هي الخاسرة. سوف تصبح بهذا «جزراً» منعزلة كل فرد منها له عالمه الخاص.
وقد يرى رب الأسرة أن مشاهدة الطفل لأفلام الكارتون أصلح له من «كليبات» هذه الأيام الراقصة.. ومعه الحق!
لكن.. علينا أن نعيد النظر في هذا الرأي بعد قراءة نتيجة هذه الدراسة العلمية حول أفلام الكرتون المحببة إليهم.. وبصفة خاصة.. سلاحف النينجا!
الدراسة تحمل عنوان «تحليل مضمون تأثير سلسلة أفلام كرتون سلاحف النينجا على ثقافة الطفل المصري». قامت بها دكتورة عزة مختار البنا أستاذة علم الاجتماع بكلية الدراسات الإنسانية بجامعة الأزهر. أهمية البحث كما تقول «إن الدراسات العديدة تؤكد بأن الأطفال يكتسبون ـ من خلال تعرضهم بشكل مكثف لأفلام الكرتون ـ سلوكيات من خلال أمثلة يحتذى بها من أبطال الكرتون. ويزداد هذا التأثير كلما زادت ساعات التعرض عن أربع ساعات يومية حيث أكدت الدراسات أيضاً وجود علاقة سببية بين مشاهدة الأطفال للعنف من التليفزيون والسلوك العدواني» من هنا كانت دراسة تحليل محتوى كارتون سلاحف النينجا وإمكانية تأثيره على ثقافة الطفل المصري باعتبار أن هذه الأفلام الكرتونية الأجنبية الموجهة للطفل العربي بوجه عام والمصري بوجه خاص لها هدفان. هدف ظاهر يتمثل في تسلية الأطفال وهو الهدف المعلن، وهدف كامن يتمثل في نقل بعض المعايير الثقافية والاجتماعية والقيم الأيدلوجية الخاصة بالبلد المنتج.
هدف البحث إذا هو: الكشف عن القيم الواردة في سلسلة كرتون سلاحف النينجا وعن الجانب المعرفي والاجتماعي الذي يحمله والثقافة الموجهة للطفل من خلاله، وكذلك مظاهر العنف البدني واللفظي و أدوات وأساليب العنف ومرتكبي أفعال العنف. وهي أهداف تتطلب البحث عن إجابة لبعض التساؤلات مثل:
1- هل القيم الواردة في سلاحف النينجا تساهم في تنمية القيم الإيجابية لدى الطفل أم في نشر وتنمية القيم السلبية لديه.؟
2- ما مظاهر العنف بالمسلسل والأدوات وأساليب العنف ومرتكبيه وأثر ذلك على الطفل؟
3- ما المعلومات الواردة به؟ وما نوع الثقافة الموجهة له من خلالها؟ وما الآثار الاجتماعية المنعكسة على سلوكيات الطفل نتيجة مشاهدة العدوان والعنف؟
تحليل المضمون
وللإجابة على هذه الأسئلة اعتمد البحث على تحليل المضمون لعشر حلقات من السلسلة تستعرض زمنيا سبع ساعات وهي سلسلة وجدت إقبالا عند كل الأطفال العرب بل تحولت شخصياتها إلى لعب أطفال تدر الملايين. فماذا كانت نتيجة الدراسة؟
لنبدأ أولاً: بالقيم الإيجابية.. وكانت كالتالي:
- قيمة نصرة المظلوم 9.39% وقيمة التعاون 5.64% وقيمة العمل «5.8%» والمعرفة «5.08%» والأخذ بالرأي 5.64% وقيمتا الصداقة والإخاء 4.22% وقيمة الحق 4.69% والحب «4.69%» والوفاء بالوعد 4.14% والشرف 3.76% والرفق بالحيوان «3.19%» والنجاح 4.32% وغسل الأيدي قبل الطعام «2.82%».
وإذا كانت هذه هي القيم الإيجابية للمسلسل الكرتوني " سلاحف النينجا" فإن الدراسة تشير إلى أن القيم السلبية كما سنرى تفوق بكثير القيم الإيجابية.
فما هي إذن القيم السلبية «للسلاحف»؟
- الصراع غير الهادف 5.87% والخوف 4.22% والسيطرة والتمرد 4.46% والتخريب والتدمير 6.2% المطاردة 4.69% - الهروب 3.61% - الرعب 4.22% - السرقة بنسبة 4.58% - الاستسلام للشر 3.25% الخيانة 3.98% - السطو 4.22% - الخداع 4.46%.
والنتيجة كما تقول الباحثة الدكتورة عزة بأن هذه الأفلام الكرتونية ليست محايدة أيدلوجياً بل إن أبطالها ينقلون للطفل المصري قيما أيدلوجية ومعتقدات ومعايير موجهة للطفل. وإن الفكرة القائلة بأن الترفيه لا ينطوي على أية سمة موجهة من أكبر الخدع في التاريخ كما يقول هربرت شيللي في كتابه «المتلاعبون بالعقول».
وعن نسبة الشخصيات القائمة بالعنف في المسلسل نجد أن « الذكور» في المقام الأول 45.98% تليها الاستعانة بالكائنات الخرافية للقيام بأعمال العنف 25.86% ثم الاستعانة بالحيوان 17.24% وتحويل الشخصيات إلى حيوانات «4.02%».
مظاهر العنف البدني بالمسلسل
ويأتي الضرب بالأيدي في مقدمة مظاهر العنف البدني 21.37% ثم إلقاء الأشياء على الغير 16.24% والشروع في القتل 17.09% والسرقة بالإكراه وخطف الأشخاص 8.55% وكذلك حبس الأشخاص في مكان منعزل 7.69% أما مظاهر العنف اللفظي فجاءت بنسبة أكبر من العنف البدني كالتالي: السب والشتائم 25.76% التهديد بالانتقام 22.73% والاستهزاء والسخرية بالغير 11.52% واستخدام الغاز المنوم 6.06% .
والنتيجة.. «أن هذه المشاهد العنيفة هي الدافع وراء العنف، خاصة إذا كان المضمون يحمل تفاصيل ارتكاب الجرائم في إطار شيق تحت مبررات التسلية والترويح عن الطفل.
هذه القيم السلبية من عنف لفظي وبدني لها القدرة في التأثير على الطفل ولعل الواقع يشير إلى هذه الحقيقة المؤسفة حيث أصبحت رسومات السلاحف على ملابس الأطفال وأحذيتهم.
وحول الأساليب المستخدمة في ممارسة العنف كما يحددها البحث.
يأتي في الصدارة: تدبير وإتلاف المال العام بنسبة «7.43% » والضرب واستخدام السيوف وتفجير المتفجرات «5.9% » واستخدام العصى والحبال «4.72% » والخطف واستخدام الحيوانات المتوحشة 4.72% واستخدام البندقية 5.42% ومطاردة الآخرين 4.72% واستخدام الآلات الحادة وإشعال الحرائق والدفع من أماكن مرتفعة بنسبة 3.54%.
ما دلالات هذه النسب إذا؟ ترى الدراسة أن تركيز الطفل على هذه البرامج وطول المدة التي يقضيها أمام التليفزيون تشعر الطفل بالكسل وتفقده جانباً كبيراً من طاقته. ومشاهدة الطفل لأساليب وسائل العنف تجعله يتخذ السلوك العدواني وتعطيه فكرة بأن المجتمع مليء بالإجرام والعنف.
كما أن إطلاق الطفل العنان للخيال يسقطه على الذات أو غيره مما تكون له عواقب اجتماعية ونفسية ضارة.
نتائج وتوصيات
من خلال تحليل مضمون أفلام سلاحف النينجا يتبين أنها تحتوي على الكثير من القيم السلبية حيث بلغ معدلها النسبي 60.94% مقابل 29.6% للقيم الإيجابية. وهي مؤشرات خطيرة تهدد الذاتية الثقافية وأن هذه الأفلام لا تهدف إلى التسلية فقط بل نقل بعض القيم والمعايير الثقافية والاجتماعية والتوجهات الأيدلوجية.
وأن السلسلة ترتكز على العديد من المظاهر العدوانية والعنيفة حيث يتفوق العنف اللفظي على العنف البدني بنسبة 58.51% مقابل 41.49% للعنف البدني وهي معدلات لها تأثيرها الوظيفي على الطفل وأن هذه النماذج الكرتونية المستوردة فيها تغريب للطفل وطمس هويته ومعالم ثقافته الإسلامية. ونشر ثقافة العنف يعني دعوة ضمنية للأطفال لاعتناقها كوسيلة للتعامل مع الآخر بدلاً من الحوار لحل الصراع الثقافي حيث إن المادة الإعلانية فيها تصور الحرب والعنف والغزو على أنها الوسائل الناجعة لحل الصراعات. من هذه النتيجة توصي الباحثة الدكتورة عزة مختار بالتالي:
- ضرورة رعاية الأسرة لأطفالها عن طريق اختيار الأصلح والأجدر من البرامج المقدمة للطفل، وأن تشاركه فيما يشاهده للحد من الآثار السلبية التي يمكن حدوثها من حالات المشاهدة الانفرادية.
- غرس القيم الاجتماعية الإيجابية في الطفل بإيجاد البرامج التي تناسب ثقافة المجتمع وتراثه العربي الإسلامي والذي يعتبر منهجاً عظيماً لتقديم البطولات والشخصيات التي يجب الاقتداء بها.
- وهذا يتطلب وجود فريق متكامل من علماء الاجتماع والنفس والإعلام لإجراء أبحاث تساهم في الحفاظ على هوية الطفل العربي.
وهذه الدراسة عن الطفل المصري ولكنها أيضاً رسالة موجهة لكل أسرة عربية.